في مشهد يعكس تحولاً نوعياً في منظومة التعليم الديني، كُلفت بالإشراف على امتحانات الثانوية العامة في مركز دار الحديث والمراكز العلمية بمنطقة "طور الباحة"، التي انضمت مؤخراً إلى إدارة وزارة التربية والتعليم، لتصبح شهاداتها معتمدة تؤهل طلابها للالتحاق بالتخصصات الشرعية والإسلامية في الجامعات. وما لفت انتباهي خلال هذه المهمة، ظاهرة تستحق الوقوف عندها طويلاً: نسبة الغش في هذه المراكز هي صفر بالمائة.
---
وازع ديني وضمير حي
في هذه المؤسسات التعليمية، لا يقتصر الالتزام على الرقابة المشددة التي تطبق اللوائح والقوانين بحضور معلمين إلى أربعة معلمين في كل قاعة امتحانية، بل يتجاوز ذلك إلى ما هو أعمق وأثبت: الوازع الديني والضمير الحي الذي يتحلى به الطلاب أنفسهم.
خلال جولاتي التفقدية، جلست مع بعض الطلاب دون أن يكشفوا هويتي كمشرف من الوزارة، وسألتهم بعفوية: "لماذا لا تغشون كما يفعل البعض للحصول على درجات عالية؟" فكانت إجاباتهم تحمل درساً أخلاقياً بليغاً:
"لو كنا نبحث عن الدرجات المجردة لذهبنا إلى المدارس العامة وحصلنا على أعلى المعدلات بلا مذاكرة بسبب الغش، أو لدفعنا الأموال وجاءتنا الشهادات إلى بيوتنا. لكن شيوخنا علمونا أن أي وظيفة سنحصل عليها مستقبلاً بشهادة قائمة على الغش ستكون مكاسبها من السحت. لذلك تركنا ذلك التعليم وجئنا هنا لننال الشهادة بجهدنا وعرقنا ومثابرتنا."
---
رسالة إلى وزارة الخدمة المدنية
إن هؤلاء الخريجين الذين تربوا على مراقبة الله وتحروا الحلال في تحصيلهم العلمي، يمثلون النموذج الأكثر جدارة لقيادة نهضة المؤسسات الحكومية. ومن هذا المنطلق، أتوجه برسالتي إلى وزارة الخدمة المدنية، مؤكداً أن هؤلاء الطلاب هم الأحق بالوظيفة العامة، لأنهم أثبتوا أمانتهم ونزاهتهم قبل علمهم.
إن تمكين هذه النماذج الشابة في المرافق الحكومية يُعد السبيل الأمثل لـ:
· القضاء على الرشوة والوساطة والسمسرة التي تعيق مسيرة التنمية. · إرساء دعائم العدل والأمانة في الإدارة العامة. · بناء كادر إداري يتقي الله في مصالح الناس ويؤدي واجباته بإخلاص.
---
عبرةٌ للتعليم العام
إن هذا النموذج الفريد الذي تقدمه مراكز دار الحديث لا يقتصر أثره على خريجيها فحسب، بل ينبغي أن يكون محطة تأمل ودراسة جادة من قبل وزارة التربية والتعليم. فمن الضروري الوقوف على أسبابه العميقة، بدءاً من المناهج التربوية التي تغرس الوازع الديني، وصولاً إلى البيئة التعليمية المحفزة على النزاهة. ومن ثم، فإن تعميم هذه التجربة الناجحة – بقدر الإمكان وبما يتناسب مع طبيعة كل مؤسسة – على المدارس الحكومية يُعد خطوة استراتيجية نحو بناء جيل كامل يتسلح بالأخلاق قبل الشهادات، ويعيد للعملية التعليمية بريقها المفقود، لتكون المدارس العامة بدورها معقلاً للقيم لا مجرد ساحة للتنافس على الدرجات المجردة.
---
ختاماً، فإن دعم هذه النماذج الواعدة وتفضيلها في التوظيف ليس مجرد خيار إداري، بل هو استثمار في بناء دولة القانون والأخلاق، حيث يكون العمل عبادة والخدمة أمانة.