تتحول القرى اليمنية في مناطق سيطرة مليشيا الحوثي يوماً بعد يوم إلى مسارح خاوية وأطلال تنعي شبابها، إثر حملات تجنيد قسري ممنهجة ومداهمات ليلية تقتلع الطفولة من أحضان الأسر وتزج بها في أتون معارك عبثية. فبعد أن تركزت محارق الاستنزاف الأولى في محافظة عمران، امتدت يد المليشيا لتطحن ديموغرافية محافظة المحويت، مستهدفة الأطفال والرجال في عمليات اختطاف تستخدمهم كرهائن ودروع بشرية، وتدفع بهم أفواجاً إلى جبهات الموت. ومع تسليم جثامين القتلى دفعة واحدة –كما حدث مؤخراً بسقوط 15 شاباً من المحويت في جبهات تعز– تدق هذه الفاجعة ناقوس خطر وجودي.
قريباً، لن نجد شاباً يافعاً أو رجلاً قادراً على العمل في تلك المناطق، بل سنصحو على مجتمعات تكاد تقتصر على النساء والأطفال والمسنين، في كارثة إنسانية واجتماعية غير مسبوقة تبتلع مستقبل اليمن برمته.
المعاناة المباشرة وكابوس المداهمات الليلية
أبو أحمد من أهالي مديرية همدان قال: "لم تعد الحرمة للبيوت، تقتحم عناصر الحوثي قرى همدان في منتصف الليل بأسلحتهم، يروّعون النساء والأطفال بحجة التخلف عن التحشيد. اختطفوا ابني البالغ من العمر أربعة عشر عاماً ليضغطوا عليّ، ثم نقلوه دون علمي إلى معسكر تدريبي ومنه إلى الجبهة.
نحن نعيش في سجن كبير، حيث يتحول الأب إلى رهينة إن طالب بابنه، وحيث تُسرق الطفولة قسراً لتغذية جبهات القتال بلا هوادة."
فاجعة الموت بالجملة وتفريغ القرى من رجالها
أم خالد (مواطنة من محافظة المحويت فقدت ابنها الأكبر) قالت: "تلقينا الخبر كالصاعقة؛ عاد إلينا ابني البالغ من العمر سبعة عشر عاماً جثة هامدة ضمن دفعة تضم خمسة عشر شاباً من أبناء قريتنا سقطوا معاً في تعز. لقد خدعوهم بشعارات براقة ثم أرسلوهم إلى محارق الموت بلا خبرة ولا تدريب. قريتنا اليوم أصبحت شبه خالية من الشباب، ولم يتبقَ فيها سوى العجائز والأطفال والأرامل اللاتي يبكين أبناءهن كل ليلة في صمت مطبق."
البُعد الديموغرافي الكارثي وسياسة الأرض المحروقة
الدكتور فضل محمد (باحث في علم الاجتماع السياسي) يقول: "ما تقوم به المليشيا في عمران والمحويت ليس مجرد تجنيد عادٍ، بل هو هندسة اجتماعية خبيثة تهدف إلى تدمير النسيج المجتمعي اليمني. استنزاف الجيل القادر على الإنتاج والعمل يعني القضاء على مستقبل التنمية والأمن الغذائي، وتحويل المجتمع إلى كتل هشة تعتمد على الإعانة والفقر المدقع، ما يضمن للمليشيا السيطرة المطلقة على مجتمعات مقهورة ومنهكة."
الجرائم ضد الإنسانية وتجنيد الأطفال كرهائن
شهاب صالح محامي وحقوقي من منظمة محلية قال: "استخدام الأطفال كرهائن للضغط على الأهالي ودفعهم للجبهات يُمثّل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي الإنساني واتفاقيات حقوق الطفل التي تجرّم تجنيد من هم دون سن الثامنة عشرة.
هذه الممارسات ترقى إلى مستوى جرائم الحرب وجرائم ضد الإنسانية، ونحن نوثق هذه الانتهاكات يومياً لتقديمها للجهات القضائية والدولية لمحاسبة مرتكبيها."
انهيار القيم القبلية وغياب دور الأعيان
الشيخ عبد الله القاسمي (شخصية اجتماعية مهجرة من المحويت) قال: "لقد دمر الحوثيون الأعراف والأسس القبلية التي كانت تحمي الصغار وتحفظ حقوق الجوار. أصبح الأعيان وشيوخ القبائل عاجزين أمام سطوة السلاح والمشرفين الحوثيين الذين لا يهمهم سوى جمع المقاتلين بأي ثمن. إذا استمر هذا النزيف, فلن تمر سنوات قليلة حتى تصبح قرى المحويت وعمران متاحف مهجورة تسكنها الأشباح والذكريات الحزينة."
شهادة حية من داخل جحيم التعبئة والتحشيد
شاب ناجٍ من معسكرات التجنيد الحوثية (عمران) قال: "أخذوني بالقوة من الشارع وأنا في ربيع عمري، وأدخلونا في دورات ثقافية مغلقة تُغسل فيها عقول الأطفال وتُبث فيهم ثقافة الموت والكراهية. من يرفض الذهاب إلى الجبهة يُصنف كخائن ويُعذّب في ساحات معزولة. رأيت أطفالاً لا تتجاوز أعمارهم اثني عشر عاماً يُساقون إلى الجبهات وهم يبكون شوقاً لأمهاتهم، لكن لا قلب لمن يسمعهم."
الختام:
إن ما تشهده قرى عمران والمحويت اليوم ليس مجرد تداعيات عادية لصراع عابر، بل هو مأساة وجودية متكاملة الأركان ترتكبها مليشيا الحوثي بحق الحاضر والمستقبل اليمني على حد سواء. إن استنزاف طاقات الشباب والزج بالأطفال في أتون محارق دموية متسارعة يعكس عقيدة تقوم على الإبادة المنهجية للمقومات البشرية للمجتمع اليمني. وحين تتوالى الأنباء بسقوط العشرات من أبناء القرية الواحدة دفعة واحدة، فإن ذلك ينذر بمستقبل قاتم تتحول فيه المدن والقرى الريفية إلى بيئات قاحلة وموحشة، لا تضج بالحياة بل بصيحات الثكالى وأنات الأرامل.
إن هذا النزيف الدموي المستمر يتطلب صحوة ضمير وطنية ودولية عاجلة لوقف آلة القتل الحوثية، وإنقاذ ما يمكن إنقاذه من جيل كامل يُباد على مرأى ومسمع من العالم، لئلا يصحو اليمنيون ذات صباح على وطن خالٍ من شبابه، غارق في دموع أمهاته ونساء أجياله المتعاقبة.