أخبار محلية

هل ينقذ ترامب الحزب الجمهوري قبل الانتخابات النصفية؟

المنتصف نت- المنتصف نت 25/08/2026 06:56 233 مشاهدة
هل ينقذ ترامب الحزب الجمهوري قبل الانتخابات النصفية؟

تدخل الولايات المتحدة الأسابيع الأخيرة التي تسبق انتخابات التجديد النصفي في 3 نوفمبر 2026 في لحظة سياسية واستراتيجية شديدة الحساسية، فالمعركة المقبلة لن تحدد فقط من يسيطر على مجلسي النواب والشيوخ الأمريكي، بل ستحدد أيضًا مدى قدرة الرئيس دونالد ترامب على مواصلة تنفيذ أجندته خلال النصف الثاني من ولايته الثانية.

و هنا يبرز السؤال المركزي: هل يستطيع ترامب إعادة بناء الزخم الجمهوري وإنقاذ أغلبية الحزب في الكونغرس والنواب، أم أن تراجع شعبيته وارتفاع تكاليف المعيشة وتداعيات الحرب مع إيران ستدفع الناخب الأمريكي إلى منح الديمقراطيين فرصة لاستعادة السيطرة على أحد المجلسين أو كليهما؟.

الأهم أن هذه الانتخابات لا يمكن فصلها عن التطورات الجيوسياسية؛ فالحرب مع إيران لم تعد قضية خارجية بعيدة عن المواطن الأمريكي، بل أصبحت مرتبطة بأسعار الطاقة والوقود والتضخم والإنفاق العسكري والعلاقات مع حلفاء واشنطن في الشرق الأوسط وبموقع الولايات المتحدة في النظام الدولي، وبذلك تتحول انتخابات نوفمبر إلى اختبار مزدوج لترامب، فهل يستطيع إدارة الداخل في ظل أزمة خارجية كبرى؟

 وهل يستطيع تحويل السياسة الخارجية إلى مكسب انتخابي بدل أن تتحول إلى عبء على حزبه؟

أولًا: أغلبية جمهورية لكنها ليست آمنة

يدخل الجمهوريون الانتخابات وهم يملكون أغلبية في مجلسي الكونغرس، لكن هامش المناورة في مجلس النواب ضيق للغاية، وتشير أحدث تقديرات Cook Political Report (13 أغسطس 2026) إلى وجود عدد كبير من المقاعد القابلة للمنافسة، مع تصنيف نحو 19 مقعدًا ضمن خانة «التعادل» (Toss Up)، إلى جانب مقاعد تميل بدرجات محدودة إلى أحد الحزبين، ويظل الديمقراطيون في وضع قوي لاستعادة المجلس، رغم أن الجمهوريين يحتفظون بمسار واقعي للاحتفاظ به بفضل إعادة ترسيم الدوائر في بعض الولايات.

أما مجلس الشيوخ، فيدخل الجمهوريون من موقع أقوى بأغلبيتهم الحالية (53 مقعدًا مقابل 47 للديمقراطيين والمستقلين المتحالفين معهم)، ويحتاج الديمقراطيون إلى مكسب صافٍ من أربعة مقاعد لاستعادة الأغلبية، ولذلك فإن السيناريو الأكثر واقعية لا يتمثل بالضرورة في خسارة الجمهوريين للكونغرس والنواب كليهما، وإنما في احتمال أن يكون مجلس النواب الحلقة الأضعف.

ثانيًا: مؤتمر دالاس... محاولة لإنقاذ الزخم

في هذا السياق يكتسب مؤتمر الحزب الجمهوري في دالاس يومي 9 و10 سبتمبر أهمية استثنائية. فوفق تقارير رويترز، لم يعد المؤتمر مجرد تجمع حزبي تقليدي، بل بات يُنظر إليه داخل الحزب باعتباره فرصة مهمة لاستعادة الزخم الانتخابي قبل نوفمبر، في ظل تراجع الرضا عن الأداء الاقتصادي وتداعيات الحرب مع إيران،

سيكون ترامب في قلب المؤتمر إلى جانب نائب الرئيس جي دي فانس وعدد من أعضاء الإدارة، بينما يسعى الحزب إلى التركيز على التخفيضات الضريبية والهجرة وأمن الحدود وأسعار الأدوية، بالتوازي مع مهاجمة الديمقراطيين.

 لكن المؤتمر نفسه يعكس معضلة الجمهوريين: كيف يستخدم الحزب قوة ترامب التعبوية دون أن يجعل الانتخابات المحلية كلها استفتاءً على شخصيته؟ فهناك مرشحون يحتاجون إلى القاعدة الجمهورية، لكنهم يحتاجون أيضًا إلى المستقلين والناخبين المترددين في الدوائر التي حُسمت بفوارق محدودة، ويصبح المؤتمر اختبارًا لوحدة الحزب ولقدرة ترامب على تحقيق التوازن بين التعبئة الحزبية والاستقطاب الانتخابي.

ثالثًا: ترامب... أقوى سلاح للجمهوريين وأكبر مخاطرة عليهم

المفارقة الأساسية هي أن ترامب يمثل في الوقت نفسه نقطة قوة الحزب ونقطة ضعفه المحتملة.

 فهو الشخصية الأكثر قدرة على تحريك القاعدة وجذب التبرعات والسيطرة على التغطية الإعلامية وربط المرشحين المحليين بمشروع «أمريكا أولًا». لكن هذه القوة لا تعني أن تأثيره إيجابي بالقدر نفسه في جميع الدوائر. فالناخب الجمهوري المحافظ قد يراه الرئيس الذي ينفذ ما وعد به، بينما قد يراه الناخب المستقل شخصية شديدة الاستقطاب، خصوصًا إذا ارتبط اسمه بارتفاع الأسعار أو حرب طويلة أو صراع سياسي داخلي متواصل،

وتزداد خطورة هذه المعضلة مع تراجع شعبية الرئيس،

 فقد أظهر استطلاع Reuters/Ipsos المنشور في 17 أغسطس أن نسبة تأييد أداء ترامب انخفضت إلى 33%، وهي الأدنى خلال ولايته الحالية، مع تراجع الأفضلية الجمهورية التقليدية في قضايا الاقتصاد والهجرة في وقت تزداد فيه حساسية الناخب تجاه تكاليف المعيشة وتداعيات الحرب. وهذا يطرح سؤالًا أعمق: هل يستطيع ترامب أن يحول شخصيته من أداة لتعبئة القاعدة إلى أداة لاستقطاب الناخب المستقل؟

رابعًا: الاقتصاد... كلمة السر في انتخابات نوفمبر

يمكن للسياسة الخارجية أن تهيمن على الأخبار، لكن الناخب الأمريكي غالبًا ما يعود في النهاية إلى حياته اليومية: كم يدفع مقابل الوقود؟ كم ارتفعت فاتورة الغذاء؟ هل يستطيع تحمل تكاليف السكن؟ ماذا يحدث للتأمين والرعاية الصحية؟ هل ارتفعت الأجور بما يكفي لتعويض ارتفاع الأسعار؟ هذه الأسئلة قد تكون أكثر تأثيرًا من أي خطاب حول السياسة الخارجية؛

وهنا يواجه ترامب معادلة صعبة، فهو يريد تقديم التخفيضات الضريبية وتشجيع الاستثمار وتشديد سياسة الهجرة وخفض أسعار الأدوية باعتبارها جزءًا من مشروع اقتصادي يخدم المواطن. لكن الناخب لا يقيس السياسات بالنوايا وإنما بالنتائج، إذا شعر المواطن بأن دخله الحقيقي يتحسن والأسعار تستقر والوقود ينخفض، فإن ذلك يمكن أن ينعكس سريعًا على شعبية الإدارة. أما إذا بقيت الأسعار مرتفعة، فقد لا تكفي الإنجازات التشريعية أو الخطابات لإقناع الناخب بأن الإدارة تسير في الاتجاه الصحيح.

خامسًا: الحرب مع إيران... من السياسة الخارجية إلى جيب المواطن

تبرز أهمية الحرب مع إيران باعتبارها العامل الذي يربط السياسة الخارجية بالاقتصاد الداخلي، فأي اضطراب في الخليج أو في طرق تصدير النفط يمكن أن ينعكس على أسعار الطاقة العالمية، وبالتالي على تكلفة النقل والإنتاج والسلع داخل الولايات المتحدة، وهذا يعني أن مضيق هرمز لم يعد مجرد نقطة استراتيجية على الخريطة، بل يمكن أن يصبح جزءًا من معادلة سعر البنزين في المحطات الأمريكية.

وقد أظهر استطلاع Reuters/Ipsos الأخير أن الحرب أصبحت عاملًا مهمًا في تراجع تقييم ترامب، بينما يرى معظم الأمريكيين (نحو 80%) أن الصراع قد يستمر فترة أطول مما كان متوقعًا. وهنا تكمن المفارقة: كلما طال أمد الحرب، زادت احتمالات تحولها من ورقة قوة للرئيس إلى عبء انتخابي عليه.

سادسًا: الحرب الإيرانية وسيناريوهات القوة الأمريكية

الحرب لا تختبر ترامب انتخابيًا فقط، وإنما تختبر موقع الولايات المتحدة في الشرق الأوسط والنظام الدولي. هناك سيناريو أول يتمثل في الوصول إلى حسم عسكري أو اتفاق سياسي يمكن لترامب تقديمه باعتباره انتصارًا أمريكيًا، إذا ترافق ذلك مع استقرار أسواق الطاقة وانخفاض أسعار الوقود، فإن ترامب يمكن أن يعيد صياغة الحرب باعتبارها دليلًا على قوة الردع الأمريكية.

لكن هناك سيناريو آخر أكثر خطورة: حرب طويلة متعددة الجبهات تمتد تداعياتها إلى الخليج والبحر الأحمر والعراق وسوريا وربما إلى أمن الملاحة الدولية، عندها تصبح الولايات المتحدة أمام معادلة مختلفة: زيادة الإنفاق العسكري، ارتفاع مخاطر استهداف القوات والمنشآت الأمريكية، اضطراب أسواق الطاقة، وضغط أكبر على الحلفاء. وهنا قد يتحول النجاح العسكري التكتيكي إلى مشكلة استراتيجية إذا لم ينتج عنه مخرج سياسي واضح.

سابعًا: مضيق هرمز والطاقة... البعد الجيوسياسي الأخطر

يكتسب مضيق هرمز أهمية استثنائية لأنه يمثل أحد أهم الممرات البحرية للطاقة في العالم؛ وأي تهديد جدي لحركة الملاحة فيه يمكن أن يرفع تكلفة النفط والغاز عالميًا، وهو ما ينعكس على أوروبا وآسيا والولايات المتحدة في الوقت نفسه، كما أن استمرار الحرب قد يدفع دول الخليج إلى تعزيز قدراتها الدفاعية وتنويع شراكاتها الأمنية، بينما قد تستفيد الصين من أي اضطراب في العلاقة بين واشنطن ودول المنطقة لتوسيع حضورها الاقتصادي والاستراتيجي، أما روسيا فقد تستفيد من استمرار التوتر بطريقتين: زيادة أهمية موارد الطاقة غير الإيرانية في الأسواق، واستفادة موسكو من انشغال الولايات المتحدة في مسرح جيوسياسي جديد.

وبذلك فإن نتيجة الانتخابات الأمريكية قد تؤثر في شكل النظام الأمني في الشرق الأوسط، وليس فقط في شكل الكونغرس الأمريكي.

ثامنًا: الصين وروسيا وأوروبا... واشنطن تحت المراقبة

الصين ستراقب الانتخابات باعتبارها مؤشرًا على مدى استقرار السياسة الأمريكية تجاه بكين. فإذا فقد ترامب جزءًا من قدرته على تمرير أجندته في الكونغرس، فقد تواجه إدارته صعوبة أكبر في تنفيذ بعض سياسات التجارة والتكنولوجيا والأمن القومي. أما روسيا فسوف تراقب التوازن الجديد في واشنطن لمعرفة ما إذا كان الكونغرس سيمنح ترامب حرية أكبر في إعادة ترتيب أولويات السياسة الخارجية أم سيضغط باتجاه استمرار الالتزامات الأمريكية تجاه أوروبا وأوكرانيا، وفي أوروبا ستتجه الأنظار إلى نتائج الانتخابات باعتبارها مؤشرًا على مستقبل العلاقة عبر الأطلسي، خصوصًا في ملفات الدفاع والإنفاق العسكري وحلف الناتو، أما دول الخليج ومصر والأردن فستراقب من زاوية مختلفة: هل ستستمر واشنطن في تقديم ضمانات أمنية واضحة للمنطقة أم ستتجه إلى تقليص وجودها العسكري وإعادة توزيع مواردها نحو آسيا؟

تاسعًا: مجلس النواب... المعركة الأكثر حساسية

رغم أن الجمهوريين يملكون مسارًا واقعيًا للاحتفاظ بمجلس النواب، فإن المعركة تبدو شديدة التنافس. وتُظهر أحدث تصنيفات Cook Political Report وجود نحو 19 سباقًا في خانة «التعادل»، إضافة إلى عدد من السباقات التي تميل بدرجات محدودة إلى أحد الحزبين. وهذا يجعل أي موجة وطنية صغيرة قادرة على تغيير عدد مهم من المقاعد. والأهم أن خريطة الانتخابات ليست ثابتة؛ فبعض الولايات أعادت رسم الدوائر الانتخابية، ما خلق حماية إضافية لبعض الجمهوريين، لكنه لم يلغِ البيئة السياسية التنافسية. ولهذا سيكون المرشحون الجمهوريون في الدوائر المتأرجحة أمام خيار صعب: هل يجعلون ترامب محور حملاتهم أم يركزون على قضايا محلية يستطيعون من خلالها جذب المستقلين؟

عاشرًا: استراتيجية الديمقراطيين... تحويل الانتخابات إلى استفتاء على ترامب

سيحاول الديمقراطيون تحويل انتخابات نوفمبر إلى استفتاء على الرئيس. وسيكون خطابهم الأساسي قائمًا على ثلاث رسائل: أولًا أن إدارة ترامب لم تنجح في السيطرة على تكاليف المعيشة؛ ثانيًا أن الحرب مع إيران تحمل كلفة اقتصادية وأمنية لا يعرف الناخب نهايتها؛ ثالثًا أن استمرار السيطرة الجمهورية على الكونغرس يعني استمرار سياسات ترامب دون رقابة سياسية كافية.

أما الجمهوريون فسيركزون على الهجرة والحدود والضرائب والأمن القومي، وسيحاولون إقناع الناخب بأن البديل الديمقراطي يمثل عودة إلى سياسات أكثر يسارية. وهكذا ستتحول الانتخابات إلى صراع بين روايتين: الجمهوريون يرون أن ترامب يعيد القوة إلى أمريكا، والديمقراطيون يرون أنه جعل الحياة أكثر تكلفة وأمريكا أكثر انقسامًا. والناخب المستقل هو الذي سيقرر أي الروايتين أكثر إقناعًا.

الحادي عشر: المتغيرات التي يمكن أن تقلب الانتخابات

رغم أهمية الاستطلاعات الحالية، فإن انتخابات نوفمبر ما زالت مفتوحة أمام متغيرات عديدة. أولها الحرب مع إيران؛ فأي اتفاق سياسي مفاجئ أو تراجع كبير في التصعيد قد يمنح ترامب دفعة قوية، بينما قد يؤدي تصعيد جديد أو ارتفاع كبير في أسعار الطاقة إلى العكس. وثانيها البيانات الاقتصادية التي ستصدر خلال سبتمبر وأكتوبر، وخاصة التضخم والبطالة والنمو وأسعار الوقود. وثالثها قدرة ترامب على السيطرة على الرسالة الإعلامية خلال الأسابيع الأخيرة. ورابعها نسبة مشاركة الناخبين؛ ففي الانتخابات النصفية يمكن أن تكون القدرة على إخراج القاعدة الانتخابية إلى صناديق الاقتراع أكثر أهمية من الفارق البسيط في تفضيلات الناخبين.

الثاني عشر: أربعة سيناريوهات للانتخابات

السيناريو الأول: احتفاظ الجمهوريين بمجلسي الكونغرس. يمكن أن يتحقق إذا استطاع ترامب تحسين المؤشرات الاقتصادية واحتواء تداعيات الحرب وإعادة تنشيط القاعدة مع استعادة جزء من ثقة المستقلين. وسيمنح ذلك الرئيس مساحة واسعة لمواصلة أجندته.

السيناريو الثاني: خسارة مجلس النواب والاحتفاظ بمجلس الشيوخ. سيكون شديد الأهمية لأنه يعني أن ترامب سيواجه مجلسًا معارضًا قادرًا على التحقيق والرقابة وعرقلة جزء كبير من الأجندة التشريعية، مع بقاء نفوذ جمهوري مهم في الشيوخ.

السيناريو الثالث: خسارة المجلسين. ستكون أكبر ضربة سياسية لترامب في ولايته الثانية، وسيتحول الكونغرس إلى مركز مقاومة سياسي واسع مع احتمال فتح تحقيقات متعددة، كما ستبدأ مبكرًا معركة تحديد المرشحين للانتخابات الرئاسية المقبلة.

السيناريو الرابع: احتفاظ الجمهوريين بالنواب وخسارة الشيوخ. وهو أقل وضوحًا حاليًا لكنه ممكن نظريًا، وفي هذه الحالة سيبقى ترامب قادرًا على تمرير بعض التشريعات من خلال النواب لكنه سيواجه قيودًا أكبر في التعيينات والمصادقات.

الثالث عشر: ماذا يقول التاريخ؟

التاريخ الانتخابي يقدم تحذيرًا مهمًا للرئيس. ففي انتخابات التجديد النصفي لعام 2018 خسر الجمهوريون السيطرة على مجلس النواب خلال ولاية ترامب الأولى. لكن التاريخ لا يتكرر بصورة آلية؛ فكل انتخابات لها ظروفها، والاقتصاد والحرب وشخصية الرئيس ومعدل المشاركة يمكن أن تغير النتائج جذريًا. والفارق هذه المرة أن ترامب يدخل الانتخابات النصفية في ولايته الثانية، ما يجعل النتيجة أيضًا اختبارًا مبكرًا لما إذا كان الحزب الجمهوري سيظل حزب ترامب إلى انتخابات 2028 أم يبدأ تدريجيًا في البحث عن مرحلة ما بعد ترامب.

الرابع عشر: البعد الأمني والتدخل الخارجي

لا يمكن استبعاد العامل الأمني والاستخباراتي من الحسابات. فالانتخابات الأمريكية أصبحت هدفًا لمحاولات التأثير الرقمي وحملات التضليل والهجمات السيبرانية من قوى خارجية، كما أن استمرار الحرب مع إيران يرفع حساسية المؤسسات الأمريكية تجاه أي محاولات للتدخل أو التأثير في الرأي العام. وقد تستخدم الإدارة أي تهديد خارجي لتعبئة الناخبين حول مفهوم الأمن القومي، لكن ذلك قد يتحول أيضًا إلى سلاح ذي حدين إذا شعر الناخب بأن المخاطر الخارجية أصبحت نتيجة لسياسات الإدارة نفسها. ومن هنا تصبح حماية نزاهة العملية الانتخابية جزءًا من الأمن القومي الأمريكي.

الخامس عشر: الانتخابات الأمريكية ومستقبل النظام الدولي

أهمية انتخابات نوفمبر تتجاوز واشنطن. فإذا احتفظ ترامب بالكونغرس فسوف يحصل على مساحة سياسية أكبر لمواصلة مشروعه في إعادة تعريف علاقة الولايات المتحدة بحلفائها وخصومها، بما في ذلك إيران والصين وروسيا وأوروبا ودول الشرق الأوسط. أما إذا خسر الجمهوريون أحد المجلسين فقد تدخل الولايات المتحدة مرحلة جديدة من الانقسام المؤسسي بين البيت الأبيض والكونغرس. وفي حال خسارة المجلسين فقد يصبح الجزء الأكبر من ولاية ترامب الثانية محكومًا بالصراع الداخلي والرقابة والتحقيقات، الأمر الذي قد يقلل من قدرة واشنطن على تنفيذ سياسة خارجية متماسكة. وهذا تحديدًا ما ستراقبه العواصم العالمية.

الخاتمة: هل ينقذ ترامب الجمهوريين أم يحتاج الجمهوريون إلى إنقاذ أنفسهم منه؟

ترامب لا يزال أقوى شخصية انتخابية داخل الحزب الجمهوري، ولا تزال قدرته على تحريك القاعدة استثنائية. لكن المشكلة أن القوة الانتخابية لا تقاس فقط بحجم القاعدة، وإنما بالقدرة على الفوز بالناخبين الذين لا ينتمون بصورة دائمة إلى أي من الحزبين. وهنا تكمن معضلة ترامب.

فإذا استطاع خلال الأسابيع المقبلة تحسين المؤشرات الاقتصادية وخفض الضغط الناجم عن أسعار الطاقة وتقديم مخرج سياسي واضح للحرب مع إيران والحفاظ على قاعدة «أمريكا أولًا» دون دفع المستقلين بعيدًا، فإنه يستطيع بالفعل إعادة تشكيل السباق وربما إنقاذ الأغلبية الجمهورية. أما إذا استمرت الحرب في استنزاف الإدارة وارتفعت كلفة الطاقة والمعيشة وبقيت شعبية الرئيس عند مستويات منخفضة، فإن الانتخابات قد تتحول إلى استفتاء على أداء ترامب نفسه.

والسؤال في هذه الحالة لن يكون: هل يستطيع ترامب إنقاذ الحزب الجمهوري؟ بل قد يصبح: هل يستطيع الحزب الجمهوري إنقاذ نفسه من أن تتحول انتخابات نوفمبر إلى استفتاء شامل على ترامب؟

إن جوهر المعركة الانتخابية المقبلة لا يكمن في قدرة الرئيس على إلقاء خطاب قوي أو حشد أنصاره في مؤتمر دالاس، وإنما في قدرته على تقديم إجابة مقنعة عن السؤال الذي يهم الناخب الأمريكي أكثر من أي قضية أخرى: هل أصبحت حياتي أفضل؟ فإذا كانت الإجابة نعم، فقد يتحول الاقتصاد والحرب إلى أوراق قوة في يد ترامب. أما إذا كانت الإجابة لا، فإن أقوى خطاب سياسي قد لا يكون كافيًا لإنقاذ الأغلبية الجمهورية.

وفي كلتا الحالتين، فإن نتيجة انتخابات نوفمبر 2026 لن تحدد فقط مستقبل الحزب الجمهوري، وإنما ستؤثر في مسار السياسة الأمريكية تجاه إيران والخليج والشرق الأوسط، وفي العلاقة مع أوروبا وروسيا والصين، وفي مستقبل النظام الأمني الدولي. ولهذا فإن انتخابات التجديد النصفي الأمريكية ليست مجرد معركة داخلية بين الجمهوريين والديمقراطيين، وإنما استفتاء على قدرة الولايات المتحدة على الجمع بين إدارة الداخل وإدارة القوة الأمريكية في عالم دولي أكثر اضطرابًا وتنافسًا.

أكاديمي ومحلل سياسي يمني