آخر الأخبار
أخبار محلية

اسرار | الاخوان في قلب الشبكة - الحوثيون كحلقة وصل.. تحول استراتيجي في نموذج تصدير الخبرات العسكرية الإيرانية للسودان

اسرار سياسية- اسرار سياسية 24/08/2026 23:20 214 مشاهدة
اسرار | الاخوان في قلب الشبكة - الحوثيون كحلقة وصل.. تحول استراتيجي في نموذج تصدير الخبرات العسكرية الإيرانية للسودان

متابعات خاصة *

تتزايد التحذيرات الدولية والإقليمية من التكلفة الباهظة التي يدفعها الشعب السوداني جراء الائتلاف العسكري والسياسي المتنامي بين قيادة الجيش والجماعات الإسلامية المرتبطة بنظام عمر البشير السابق (الحركة الإسلامية / الإخوان المسلمين). فقد أدى هذا التحالف المتصاعد مع إيران ووكلائها في المنطقة — وفي مقدمتهم مليشيا الحوثي اليمنية — إلى تحويل الأراضي السودانية إلى ساحة مفتوحة للصراعات الدولية ومورداً لتهريب السلاح ونقل التكنولوجيا العسكرية العابرة للحدود، مما يفاقم الدمار الداخلي ويفرض عزلة دولية وخناقاً استراتيجياً على البلاد.

وتكشف تقارير استخباراتية ودولية متطابقة عن اتساع نطاق التعاون العسكري الثلاثي (الإيراني-الحوثي-الإخواني)، في وقت تحولت فيه الحرب السودانية المندلعة منذ أبريل 2023 إلى مسرح تتداخل فيه الحسابات المحلية المعقدة مع صراعات النفوذ الإقليمية وحروب الممرات الملاحية.

ولم تعد أبعاد هذا التعاون تقتصر على مجرد شحنات أسلحة وطائرات مُسيّرة إيرانية الصنع تصل إلى الموانئ السودانية، بل امتدت لتشمل نقل التقنيات العسكرية وتوطين خبرات التصنيع، وتدريب الفصائل العقائدية والميليشيات المتحالفة مع الجيش السوداني.

الإخوان في قلب الشبكة.. تنشيط التحالفات القديمة

تعود جذور العلاقة الاستراتيجية بين التيار الإسلامي السوداني وحكومة طهران إلى عقود سابقة؛ حيث شهد عهد الرئيس المخلوع عمر البشير تعاوناً أمنياً وعسكرياً وثيقاً بين الخرطوم وطهران. ورغم قطع العلاقات الدبلوماسية الرسمية بين البلدين عام 2016، تؤكد التقديرات الأمنية أن الحرب الحالية أتاحت للطرفين إعادة تنشيط قنوات الاتصال القديمة وتفعيل الشبكات المغلقة.

وتكتسب هذه التطورات أهمية خاصة مع عودة قيادات وشبكات الحركة الإسلامية إلى المشهد العسكري الميداني؛ حيث تشارك تشكيلات عقائدية مسلحّة — وفي مقدمتها "كتيبة البراء بن مالك" وآلاف المقاتلين المرتبطين بالنظام السابق — في القتال المباشر إلى جانب قوات الجيش.

وبحسب تقرير صادر عن مركز "سنتشري إنترناشونال"، فإن نشاط العناصر الحوثية والإيرانية في السودان يتركز بشكل أساسي عبر التعامل مع شبكة من القادة العسكريين الحاليين والسابقين المنتسبين لتيار الإخوان المسلمين، حيث جرى تأسيس برامج تدريبية مشتركة تحت إشراف خبراء من الحرس الثوري الإيراني لتدريب تلك الفصائل على تشغيل وتطوير سلاح المسيرات والأسلحة النوعية.

من استيراد السلاح إلى توطين التكنولوجيا: "سفروق" نموذجاً

يبدو أن التحول الأبرز والأكثر خطورة في العلاقات الإيرانية السودانية الجديدة يكمن في الانتقال من مرحلة استيراد الأسلحة الجاهزة إلى محاولة نقل القدرة على التصنيع والتركيب والصيانة محلياً.

وفقاً لما نقله "مركز الحل" للدراسات، رصد خبراء أسلحة دوليون تطابقاً تقنياً وهيكلياً كبيراً بين الطائرة المُسيّرة السودانية الجديدة التي أُطلق عليها اسم "سفروق"، وبين الطائرة الإيرانية الشهيرة "أبابيل". وتتضاعف خطورة هذا التطابق في ضوء الخبرة العريضة التي امتلكتها جماعة الحوثي في اليمن على مدار سنوات في تجميع وتعديل وتطوير الطائرات المسيرة المشتقة من التكنولوجيا الإيرانية.

ويرى المباشرون للتحليلات العسكرية أن وجود مدربين حوثيين وعناصر حرس ثوري في الداخل السوداني يؤكد انتقال "الكتالوج الحوثي" للحروب منخفضة التكلفة إلى الفصائل العقائدية المتحالفة مع الجيش. وهنا تبرز الحركة الإسلامية لا كجهة متلقية للسلاح فحسب، بل كطرف يمتلك البنية التحتية والشبكات السياسية والميدانية الكفيلة باستيعاب وتوطين تلك التكنولوجيا عسكرياً.

"الوكيل لخدمة الوكيل".. عقيدة إيرانية جديدة للنفوذ

تشير تقارير نشرتها مجلة "فورين أفيرز" ونقلتها وسائل إعلام عربية ودولية إلى أن الحوثيين باتوا يشكلون جزءاً محورياً من شبكة إقليمية عابرة للحدود لنقل الخبرات والأسلحة التي طوروها برعاية طهران إلى جماعات أخرى، مع بروز الساحة السودانية كميدان اختبار رئيسي لهذا النموذج.

ويُعرب هذا التحول عن تطور بنيوي في عقيدة النفوذ الإيراني؛ فبدلاً من اعتماد طهران المباشر على إرسال كوادرها أو سلاحها بما يجلب عليها ضغوطاً وعقوبات دولية، أصبحت الجماعات التي صُقلت خبراتها (مثل الحوثيين) تتولى مهمة تدريب وتجهيز وكلاء جدد.

وفي الحالة السودانية، يمثل الحوثيون "حلقة الوصل" و"الوسيط الميداني" المثالي بين إيران والفصائل الإسلامية المسلحة، خاصة في مجالات التصنيع المحلي للمسيرات، والزوارق المفخخة، والتقنيات العسكرية الرخيصة والفعالة.

مسارات التهريب عبر البحر الأحمر وخطورة بورتسودان

لا تتوقف التقرير عند حدود التدريب الميداني، بل تكشف عن مسارات مسكوت عنها لتهريب السلاح عبر الممرات المائية. ونقل موقع "شيبا إنتلجنس" المتخصص في الشؤون الاستراتيجية عن معلومات استخباراتية مفادها أن شبكات تهريب منظمة تستغل النقاط البحرية والجزر القريبة من السواحل الإريترية كمحطات ترانزيت لتخزين الأسلحة والمكونات الإلكترونية قبل تسريبها إلى الأراضي السودانية.

وفي هذا المشهد، تبرز مدينة بورتسودان بأهمية جيو-استراتيجية خطيرة؛ فهي من جهة المقر الإداري والعسكري الرئيسي للقيادة الحالية للجيش، ومن جهة أخرى تطل على واحد من أهم المضايق والشرايين الملاحية في العالم.

وفي هذا الصدد، أورد تقرير لنشرة "إرم نيوز" اتهامات صريحة من مصادر سودانية مطلعة حول وصول قنابل وذخائر ومعدات توجيه إيرانية الصنع إلى ميناء بورتسودان عبر شبكات واجهة مرتبطة بالحركة الإسلامية، وسط مطالبات لجهات دولية بفتح تحقيقات لتتبع سلاسل التوريد والجهات الموردة وخطوط سير تلك الشحنات.

التداعيات: توطين السلاح وتهديد أمن المنطقة

يحمل انتقال التكنولوجيا العسكرية إلى الفصائل والميليشيات عقائدية مخاطر كارثية تتجاوز نطاق الحرب الحالية في السودان؛ إذ إن امتلاك تلك الجماعات للقدرة على تصنيع المسيرات وتطويرها يمنحها استقلالية تسليحية ويجعل من الصعب تفكيكها أو السيطرة عليها في أي تسوية سياسية مستقبلاً.

إن قضية التعاون الحوثي الإيراني الإخواني في السودان لا تقف عند حدود شحنة سلاح عابرة، بل تتعداها إلى خطر نشوء بنية تحتية عسكرية موازية قادرة على التكاثر والإنتاج الذاتي. وفي حال استمرار هذا المسار دون رادع دولي، فإن السودان يمضي بخطى حثيثة نحو التحول من ساحة تتلقى السلاح إلى مركز إقليمي جديد لتصدير الخبرات والتكنولوجيا العسكرية المهددة لأمن الملاحة في البحر الأحمر ولأمن دول جواره الإفريقي والعربي.

* نقلاً عن موقع "حفريات"