مقالات

العزاء الفاخر في اليمن: مواساة أم مقيل؟

بوست 24 26/08/2026 12:16 250 مشاهدة
العزاء الفاخر في اليمن: مواساة أم مقيل؟

في قلب الثقافة الاجتماعية اليمنية، تظل مجالس القات البوصلة التي توحد طقوس الناس في أفراحهم وأتراحهم. غير أن ظاهرة "العزاء الفاخر" أضحت اليوم تثير تساؤلات عميقة حول التحولات الاجتماعية والتناقضات السلوكية؛ إذ تماهت الحدود الفاصلة بين الحزن والابتهاج، وغدت مجالس المواساة تشبه إلى حد كبير المقايل الأسبوعية أو صالات الأفراح.

يتجلى المشهد السائد بمجرد أداء الواجب السريع؛ فما إن يصافح المعزّي أهل الفقيد، حتى يتحلل سريعاً من أجواء الكآبة والمواساة ليلتئم شمل الحاضرين في أركان المجلس العربي المُعد بعناية، والمجهز بالوسائد (الأرائك الفاخرة) وسلال النفايات الأنيقة. وتبدأ ذات الطقوس التي تشهدها المناسبات السعيدة: جلسات طويلة لـ"تخزين القات"، توزيع المياه والمشروبات الغازية، خوض الحوارات السياسية المعقدة، ومناقشة تفاصيل المعيشة وحل الخلافات الجانبية، دون أن يفرق هذا المجلس عن مجلس العرس سوى صمت السماعات وغياب طقوس الرقص.

أبرز المحاور والتحولات السلوكية في المجالس:

* اتخاذ وضعيات الاتكاء والاسترخاء نفسها في العزاء والعرس والعيد دون مراعاة لرهبة الموقف.

* تقديم ذات المشروبات والمستلزمات بنفس الأسلوب التنظيمي والخدمي.

* تحول المأتم من مساحة للتفكر والأجر إلى منتدى مفتوح للسياسة، المجبرة، والأنس.

* إرهاق كاهل أهل الفقيد بالاستعدادات اللوجستية الضخمة لضمان راحة المعزّين بالساعات.

بين الخصوصية الاجتماعية والانحراف السلوكي:

تفتح هذه الظاهرة باباً واسعاً للتحليل النفسي والاجتماعي؛ فمن جهة، يرى البعض أن هذه التجمعات تعكس آلية دفاع مجتمعية يهرب بها اليمني من واقع الأحزان الضاغط إلى رحاب التكافل والتأنس بالآخرين للتخفيف عن بعضهم البعض.

ومن جهة أخرى، يرى نقاد السلوك المجتمعي أنها حالة استعراض وتفريغ للمناسبات الشرعية والإنسانية من مقاصدها الجوهرية، لتنقلب إلى مهرجانات او "مقايل فاخرة".

فهل هذا الوضع طبيعي في مجتمعنا، أم أننا أمام حالة استثنائية تشذ عن العرف الإنساني والشرعي؟

نحو حل عملي: 

إن تجاوز هذه الظاهرة يقتضي الانتقال من نقد الواقع إلى تقديم خطوات عملية تحفظ للمأتم هيبته وترفع العبء عن أهل الفقيد:

* منع إحضار القات أو تعاطيه داخل المجالس نهائياً لتجريد المأتم من طابع "المقيل".

* الاقتداء بالتجارب الاجتماعية المجاورة (كما في السعودية)، بحيث تكون الزيارة قصيرة يؤدي فيها المعزّي الواجب وينصرف.

* تقديم القهوة والماء فقط، للحد من الاستعراض والتنافس في الخدمة.

خاتمة ورسالة وعي:

نحن هنا لا نطالب الناس بترك التخزين أو الإقلاع عن عادة مضغ القات نهائيا؛ فنحن ندرك تماماً صعوبة تطبيق ذلك في ظل الأوضاع الراهنة، حيث يهرب المواطن من المعاناة الحياتية الضخمة والضغوط اليومية المتزايدة في هذا البلد إلى جلسات القات للتسلية والترويح عن النفس. لكننا في الوقت ذاته نقف أمام ظاهرة غير طبيعية في التعاطي مع مصيبة الموت.

إن للمأتم حرمةً وهيبةً واحتراماً يُفترض ألا يُسلب منه. ودعوتنا اليوم هي دعوة صادقة لتصحيح هذه المظاهر وتهذيبها، حتى لا يبدو المشهد للناظر من بعيد أو للزائر الغريب وكأنه مجلس أنسٍ واحتفال لا يمت للحزن أو المواساة بصلة.

فلنقف جميعاً أمام هذه الظاهرة بوعي وشجاعة، ولنعمل على التصحيح الذاتي لنعيد للمأتم هيبته وللمواساة جوهرها الحقيقي.