على مدى عقود تمسّكت القيادات الفلسطينية بالتراب الوطني، وقاتلت من داخل الأراضي المحتلة وشيّعت شهداءها على مرمى حجر من حيفا والقدس، هذا رُغم قسوة العدوان والانحياز الدولي القاطم.
وفي اليمن، يُبتلى الوطن بقيادات عواصم وأبواق إعلامية تستميت، بلا خجل، في الدفاع عن "حق البقاء المؤبد في المنافي.."! فما السر يا تُرَى في نخب تدير بلاداً مكلومة من الفنادق والمقرات المكيفة، وتنتظر أن يُبنى الوطن من خلف شاشات التلفزة وهواتف السادة الكفلاء؟!
لقد كشفت أربعة عشر عاماً من الضياع، منذ الفوضى التي زرعتها نكبة عام 2011 ..
وكذا مخلفات البند السابع، أن المشكلة اليمنية ليست فقط في ذراع طهران التي اغتصبت العاصمة صنعاء .. ودمرت النسيج الاجتماعي اليمني، بل هي في منظومة "شرعية متخففة من الشرعية" اختزلت الوطن في غنائم و شرحات ونثريات، وتركت المواطن اليمني يكاد يفتش عن قوته بين أكياس القمامة.
إنها مساومة رخيصة على دماء الشهداء والجرحى؛ جماعة يقتات سُرّاقها في الداخل على معاناة الناس، وجماعات أخر تسرق مقدرات البلاد ورصيدها السياسي في ومن الخارج، وكلاهما أبعد ما يكون عن شرف "رجال الدولة" أو كبرياء الفرسان الذين يتعففون ويتركون الجمل بما حمل لمن هو أهلٌ له.
وسط هذا العبث السياسي والانحدار الأخلاقي، جاء الخطاب الأخير للاخ أحمد علي عبدالله صالح نائب رئي المؤتم الشعب العام ليكون بمثابة الزلزال السياسي الذي جرف كل مساحيق التجميل وأقنعة الكذب التي توشحت بها الوجوه المرتعشة.
لم يكن خطاب الاخ أحمد علي عبدالله صالح نائب رئيس المؤتمر الشعبي العام مجرد بيان استهلاك إعلامي، بل كان تشخيصاً جراحياً دقيقاً صادقاً محاطا بحس المسؤولية الوطنية الأبوية..
تحدث الاخ أحمد علي عبدالله صالح بلسان المواطن اليمني البسيط الذي أرهقه الشتات، وصرخت كلمات ومعاني الخطاب في وجه الجميع:
" الوطن لا يُدار من الخارج،..
والشرعية لا تُستمد من العواصم الخارجية.. بل من الحضور في الميدان وبين صفوف الشعب".
هنا تكمن القوة الساطعة، والسر الذي يجعلهم يتخبطون كمن مسه الجن مع كل ظهور له
إن الاخ أحمد علي عبدالله صالح ليس ظرفا طارئاً على السياسة اليمنية ولا هو نبتة غريبة نمت في أحضان السفارات..!
إنه القائد اليمني صاحب الرصيد النضالي العسكري والسياسي والقبلي المشهود،
إنه العماد الصلب الذي تكسرت على صخرته مؤامرات التفكيك والتفتيت.. وتقزمت أمام مصداقيته تخرصات الفلول والمقاولين الإعلاميين.
لقد ترفع الاخ أحمد علي عبدالله صالح عن جراحه الشخصية ومصاب أسرته، وسما عن الصغائر والنكايات، وظل ثابتاً متمسكا بثوابت الجمهورية اليمنية والوحدة ومؤسسات الدولة، ظل يمد يده لكل أبناء اليمن من أجل استعادة وطنهم وتحريره من مخالب الارتهان.
لقد أثبتت تجارب التاريخ في كل المحطات الإقليمية والدولية أن الأيادي المرتعشة لا تصنع نصراً،..وأن المعارك الفاصلة لا تُدار عبر أزرار التحكم من بُعد ..
وأن القيادة الحقيقية هي تلك التي تتقدم الصفوف، وتعيش همّ المواطن، وترفض أن يظل القرار الوطني رهينة للمصالح الضيقة أو الأجندات العابرة للحدود.
كان صمت الاخ أحمد عل عبدالله صالح يقض مضاجعهم لأنه صمتُ العقل والحكمة والرزانة والإعداد،
وظل حديثه يوجعهم لأنه حديث يضع اليد على مكامن المرض والخلل والفشل،
كما أن ظهور الاخ أحمد علي عبدالله صالح يقلب الطاولة لأنه يعيد التذكير بأن في اليمن رجل دولة يستند إلى قاعدة شعبية جارفة تمتد من عدن وصنعاء إلى تعز وحضرموت وكل شبر في هذا الوطن.
إن الإلتفاف الشعبي الكبير الذي رافق خطاب الاخ أحمد علي عبدالله صالح هو الاستفتاء الحقيقي الذي لا يكذب .. فالشعب اليمني الذي عانى ويعاني البؤس والفقر والمرارة أدرك أن أمل استعادة الجمهورية وكرامة الإنسان لا يمر عبر النخب المتكسبة في الخارج، بل عبر القادة الوطنيين الأوفياء والمخلصين للوطن و للدولة ومؤسساتها.
أما الفنادق فلا تورث إلا المزيد من الثول، والبحث عما يشبع الرغبات بسيل الأكاذيب التي أصبحت هي السبيل الوحيد للاعتياش بالنسبة لتلك المسماة شرعية.
فقد تكررت دعوات الأخ أحمد علي عبد الله صالح، نائب رئيس المؤتمر الشعبي العامل، لمجلس القيادة الرئاسي منذ تشكيله بالعودة الى الداخل وكانت في بداية تشكيل المجلس في ٢٦ سبتمبر ٢٠٢٢م وفي ٢٤ أغسط عام ٢٠٢٤م و في كل مناسبة يؤكد على ذلك.
سيبقى التاريخ يدوّن بحروف من نور الموقف القيادي الصلب المخلص للرجل الذي انحاز لشعبه وأرضه،
بينما سيلقي في مزبلته كل من تاجر بآلام الجياع وتكسب وترك اليمن لمصير مجهول..
يابلادي ما يهزك ريح.