مقالات

الضالع المختطفة: من وصاية الفكرة الواحدة إلى وهم التمثيل المطلق

بوست 24 26/08/2026 16:42 273 مشاهدة
الضالع المختطفة:  من وصاية الفكرة الواحدة إلى وهم التمثيل المطلق

الضالع ليست لافتة، وليست شعارًا يُرفع في مهرجان. الضالع ليست المجلس الانتقالي، ولن تكون يومًا إقطاعيةً في جيب قائد أو غنيمةً في يد فصيل . وقبل أن نرفع عقيرتنا ضد الوصاية الإقليمية، أيًّا كان مصدرها، علينا أن نصرخ أولًا في وجه الوصاية الداخلية التي تكتم أنفاسنا.

إنه لمن السذاجة السياسية، ومن الاستبداد الصريح، أن يتم اختزال محافظة بتاريخها ودمها وتضحياتها في طائفة سياسية واحدة، مهما بلغت تضحياتها أو علت أصواتها . أن تحتكر الحقيقة، وأن تنطق باسم الجميع، فتخوّن من يخالفك وتقدّس من يواليك، هو النقيض الكامل لمشروع الدولة العادلة التي مات من أجلها أبناؤنا ورجالنا الشجعان.

إن التنوع ليس تهمة، والاختلاف ليس خيانة، بقدر ما هو العلامة الأكيدة على أن هذا المجتمع لا يزال حيًّا، ينبض ويفكر؛ فالمجتمعات الميتة وحدها هي التي تصفق بصوت واحد .

الضالع مختطفة، وأنا أتعمد هذه الكلمة بكل معناها وحملها، وهي ليست مختطفة اليوم، وإنما منذ فجر الاستقلال. اختُطفت حين اختُطفت دولة الجنوب كلها لحساب فكرة واحدة، وفصيل واحد، وصوت واحد . صحيح أن كثيرًا من محافظات الجنوب استطاعت، بعد عقود من الألم، أن تتعافى من حمى الأحادية وأن تتصالح مع ذاتها ومع الآخر المختلف عنها، إلا أن الضالع بقيت - للأسف - حبيسة ذلك القمقم، رهينة لنخب تعيد إنتاج نفسها بوجوه مختلفة وشعارات متبدلة.

نقول لمن يتاجرون اليوم بشعار «لا للوصاية السعودية»: جميل أن نرفض الوصاية، لكن من باب أولى ارفعوا وصايتكم أنتم عنا . لقد سئمنا احتكاركم للمشهد لعقود، سئمنا وجوهكم التي لا تتغير، وخطابكم الذي لا يتجدد، حتى خُيّل للمتابع وللناظر من بعيد أن الضالع خلت إلا منكم؛ فإذا قلتم «وحدة» وجب على الناس أن يرددوا خلفكم كالببغاوات، وإذا قلتم «انفصال» فمن يتأخر عنكم فهو خائن وعميل ومرتزق، وقاموس الاتهامات الجاهز لا ينضب.

لقد رأيناكم بالأمس القريب ترفعون صور الملك سلمان والشيخ خليفة ومحمد بن زايد، وتهتفون للتحالف العربي، ثم رأينا حماستكم تلك تخفت وتذبل كلما ذُكر اسم الرئيس عبد ربه منصور هادي - رحمه الله - ذلك الرجل الذي لولاه لما جاء التحالف، ولولاه لما حلمتم يومًا بالجلوس على كراسي السلطة التي أتتكم بقرارات جمهورية لم تكن تخطر لكم على بالٍ .

إنها مفارقة مأساوية؛ الحوثي يقتل اليمني ويدمر اليمن وهو يصرخ «الموت لأمريكا، الموت لإسرائيل»، ونحن في الضالع نُدفع دفعًا لنكون خارج التاريخ والجغرافيا، خارج معركة اليمنيين الحقيقية من أجل الدولة والكرامة، لنغرق في معركة وهمية حول من يمثل الضالع ومن يحق له أن يتحدث باسمها .

إن الضالع التي تقدم كل يوم خيرة شبابها وقرّة أعينها، لا تفعل ذلك من أجل أن يستعيد فصيل ما أمجاده الغابرة، ولا من أجل أن يبني قائد ما مجده الشخصي على جماجم أبنائها. الضالع تدفع الدم من أجل دولة عادلة، وقانون يساوي بين الجميع، ومستقبل آمن لكل اليمنيين.

لا ضير أن يحلم كل طرف سياسي فقد السلطة بالعودة إليها، فهذا شأن كل القوى السياسية في العالم . الضير، كل الضير، أن تتحول رغبتك في العودة إلى مصادرة لحق الآخرين في الوجود، وأن تتحول تضحيات الناس إلى سلّم تصعد عليه، وأن تدّعي زورًا وبهتانًا أنك أنت الضالع، والضالع أنت، والضالع هي الجنوب، وأنك وحدك الناطق الأوحد باسم تطلعاتها وأحلامها.

الضالع أكبر منكم جميعًا؛ فالضالع من الجنوب، والجنوب من اليمن، والاثنان أبقى منكم جميعًا. فهلّا رفعتم الوصاية؟

محمد علي محسن