ما يحدث في إب اليوم هو عملية "تشويه ممنهج" ستدفع المدينة أثمانها باهظة في المستقبل القريب على مستوى البنية التحتية، وشبكات الصرف الصحي، وتصريف مياه الأمطار التي ستتحول إلى كارثة سنوية تهدد حياة السكان وممتلكاتهم.
يقال في عالم التخطيط الحضري الحديث إن لكل مدينة هوية وبصمة، لكن مدينة إب قررت أن تخرج عن المألوف تحت رعاية ودلال مليشيا الحوثي المسيطرة على المحافظة، لتصنع هويتها الخاصة المتمثلة في «القفز العشوائي نحو المجهول».
إذا كنت تبحث عن مدينة تتحدى قوانين الفيزياء، الهندسة المدنية، والمنطق البشري معاً، فلا تبحث بعيداً؛ إب تنتظرك بذراعيها المكتظتين بـ «البلك» والخرسانة المسلحة العشوائية. هنا، وبفضل بصمات المشرفين الحوثيين الذين أمعنوا في العبث بمقدرات المحافظة وأفقدوها جمالها ورونقها الأصيل، تحول كل جبل إلى عمارة، وكل شط إلى شارع (أو هكذا يُفترض)، وكل شجرة غلبها الحظ إلى معتمدة رسمياً لتكون «الحديقة العامة الوحيدة» التي ترفّه بها العائلات عن أنفسهم.
هندسة «امسك لي وأقطع لك» برعاية المشرفين
جهات الاختصاص التابعة للمليشيا والمهندسون الخاضعون لإمرتهم يخوضون معركة يومية شرسة ضد أي فكرة قد تشم رائحة التنظيم، طالما أن همّ المشرفين الأول هو جبايات تراخيص البناء العشوائي وتحصيل الأموال دون حسيب أو رقيب. لماذا قد تحتاج المدينة إلى شوارع واسعة بينما يمكن للمشرف أن يسمح باستحداث مبنى وسط الشارع مقابل «مخلاة» مالية؟
الأمر لا يقف عند الشوارع الضيقة التي تُشعرك وكأنك تعبر خرم إبرة، بل يمتد إلى عبقرية تصريف مياه الأمطار. في إب، المطر نعمة... لكنه بالنسبة للتخطيط العشوائي الحوثي «مؤامرة كونية مفاجئة» تتكرر كل عام. المياه لا تجد طريقاً تذهب إليه سوى غرف نوم المواطنين والمحلات التجارية، ليس لخلل في الطبيعة، بل لأن العبقري المعين من قِبل المليشيا نسي أن الماء يتدفق من الأعلى إلى الأسفل ولم يضع في حسبانه سوى جباية الأموال وترك المدينة تغرق في فوضاها.
أين السياحة؟ ولماذا التعقيد؟
لو وقعت مدينة إب في دولة أو سلطة تحترم التخطيط لكانت اليوم «سويسرا العرب» فعلاً لا مجرد لقب يُقال في التراث. لكن سلطة الأمر الواقع الحوثية ومكاتب الأشغال التابعة لها أصرت على تطبيق نظرية «سيبها للمشرف وصابر».
الحدائق والمنتزهات: محجوزة في مخيلة المسؤولين الحوثيين فقط، بينما الواقع عبارة عن صخور صلبة وبنايات رمادية حجبوا من خلالها حتى طابع المدينة الجميل لصالح مشاريع البناء العشوائي التي ترعاها قياداتهم.
الخطوط السريعة: عبارة عن مطبات تاريخية تفاجئك كل عشرة أمتار، وكأن الهدف الأساسي هو تدمير سيارات المواطنين وترك البنية التحتية مهترئة.
البنية التحتية والصرف الصحي: قصة حب ومأساة متبادلة تحت إدارة مليشيات لا تقيم وزناً لخدمات الناس، حيث تخرج روائح «المجاري» لتستقبل السائح قبل أن تشم رائحة الياسمين أو الضباب.
المستقبل الزاهر (الكومة الحجرية الكبرى)
خلال سنوات قليلة تحت سيطرة هذه العصابة ومشرفيها، لن يضطر السياح لزيارة إب لرؤية الطبيعة، بل سيأتون لمشاهدة «أكبر متحف مفتوح للكومات الحجرية العشوائية» على وجه الأرض. مدينة متكاملة تتنافس فيها عمارات النافذين والحوثيين على حجب رؤية بعضها البعض حتى تختفي الشمس تماماً ولا يتبقى سوى الإسمنت المسلح الذي شوّه وجه «العروسة».
فتحرّي الفساد والخراب يثبت لنا كل يوم أن مليشيا الحوثي تتحمل المسؤولية الكاملة عن هذا الدمار العمراني، وأن «الخضرة» وحدها هي ما تبقى لتحاول باحتضار إنقاذ ما يمكن إنقاذه من وجه المدينة المغطى بغبار العشوائية وجشع المشرفين.