في عتمة المحبرة يولد الصوت حين يصمت الجميع، وتشرق الحقيقة كشعاع شمس لا يستأذن أحداً..!
كانت الأرقام تُفصح عن نفسها على ورق الشهادة بوضوح يفقأ عين الشك، لتعلن أن العقل الإنساني لا يمتلك جنسية ضيقة، وأن التفوق الشاهق لا يحتاج إلى جواز سفر أو تأشيرة عبور ليثبت حضوره بين العقول..!
جلست «رؤى» أمام كشف الدرجات الطويل، تقرأ رقمها الاستثنائي الذي انتزعته بأيام طويلة من السهر المضني ومغالبة القلق والترقب، لكن فرحتها البكر ما لبثت أن اصطدمت بجدار صارم من القرارات الجائرة التي تحاول إطفاء هذا البريق الساطع.
لقد تسللت خيوط الفجر الأولى لتغسل جدران مدينة المهرة بضياء دافئ، وكأنها تواسي خطى طالبة لم تكن ترى في ديار الغربة القاسية سوى نافذة واسعة ونقية نحو المجد والأمل.
لم تكن الأوراق بالنسبة لها مجرد وثائق صماء، بل كانت ميداناً فسيحاً للبرهان العلمي الخالص والتألق الأكاديمي المشهود.
استيقظ الصباح على وقع صدمة مدوية لم تكن في الحسبان، فحين أُعلنت النتائج النهائية، بلغت القمة عن جدارة بحصولها على معدل تسعة وتسعين وربع المائة (99.25%).
لكن القرار الإداري النافذ جاء كشفرة حادة ليقص اسمها البهي من منصة التكريم المستحقة، مبرراً هذا التعسف بعلة واهية اسمها الهوية والجنسية، ومختبئاً خلف تناقضات تكسو ملامح العذر الباهت..!
•••
في قراءة متأنية لهذا الخبر العجيب، نجد أن التصريحات الرسمية تنسج خيوط إدانتها بيديها، وتقدم عذراً ركيكاً يتهاوى أمام أول اختبار للمنطق السليم..!
كيف يمكن لوزارة التربية والتعليم أن تنفي تهمة التمييز بناءً على الجنسية، ثم تعترف بملء الفم في السطر ذاته بأن الإقصاء تم وفقاً لنظام الطلاب الوافدين..؟
أليس مصطلح الوافد في جوهره دلالة قاطعة وحصرية على الهوية والجنسية التي يُراد نفي التمييز بسببها..؟
إن هذا التبرير يمثل قمة التناقض وانفصام الرؤية الإدارية، إذ يحاول عبثاً تغطية عورة التمييز بغربال اللوائح الوهمية التي لم يرها أحد من قبل..!
كيف يُستبعد المبدع في المؤسسة التي بُنيت أساساً لغرس قيم العدالة والنقاط المنطقية..؟
•••
تعالت الأصوات الحرة في أروقة الشارع التربوي والمجتمعي باستغراب شديد وحرقة لا تطاق.
_ كيف يُصادر حق أصيل في التميز كفله الجهد الأكاديمي الصريح والواضح..؟
وتردد في الأنحاء بأسى مكتوم يلفه الذهول والصدمة:
_ والله الموضوع مش منطقي، البنت تعبت وجابت 99.25%، ليش يحرموها من حقها عشان جنسيتها السورية..؟
_ هل بات التفوق والاجتهاد في نظر القائمين على التعليم جريمة تحتاج إلى تبرير وعقوبة..؟
_ إي والله، بدال ما نكرمها عشانها تفوقت عندنا وأرفدت بيئتنا بهذا التميز، نسحب اسمها من قائمة الأوائل بكل برود..!
_ هذا الإجراء يسيء لسمعة التعليم ويقتل روح المنافسة الشريفة بين طلاب المدارس كافة..!
•••
تؤكد الوزارة بلسان مستشارها أن معدل الطالبة «رؤى» محفوظ كما هو ولم يُمَس بأذى.
لكن الضمير الجمعي يتساءل بذهول ومرارة:
_ ما الفائدة المرجوة من حفظ الرقم الأكاديمي إذا تمت مصادرة استحقاقه ومكانته الطبيعية في الصدارة..؟
_ كيف يُعقل أن تحصل طالبة متألقة على نسبة تسعة وتسعين وربع المائة، وتُحرم قسراً من صدارة محافظة المهرة، لتُمنح المرتبة الأولى لطالبة أخرى معدلها ثمانية وتسعون بالمائة فقط..؟
هذا التناقض الصارخ يفضح خللاً جسيماً في ميزان العدالة والإنصاف.
إذ لا يمكن أن تعترف بنجاح شخص تفوق على أقرانه، ثم تجرده من تاج التفوق بحجة تصنيفه في كشف منفصل للوافدين..!
إن التفوق الأكاديمي ليس منحة إدارية تُصرف حسب الهوية الوطنية، بل هو استحقاق رقمي ساطع يفرض نفسه بقوة على كل الكشوفات دون استثناء أو إقصاء.
•••
إن النصوص الدولية والمواثيق الإنسانية العريقة لم تجعل العلم حصراً على بقعة جغرافية دون أخرى، بل جعلت الكفاءة هي المعيار الأوحد والفاصل الوحيد في سباق المعرفة الإنسانية.
إن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان واتفاقية مكافحة التمييز في مجال التعليم يجرّمان بصريح العبارة كل تمييز يقوم على الأصل أو الجنسية، ويؤكدان أن استبعاد الأوائل لمجرد انتمائهم لبلدان أخرى يمثل انتهاكاً صارخاً لمبدأ تكافؤ الفرص وعدالة التوزيع.
كيف يمكن لوزارة يفترض أن تكون منارة للعلم والتنوير أن تسوغ هذا الحرمان الظالم في بلد عُرف تاريخياً بأنه مأوى الفكر وراعي المعرفة ومهد الأحرار..؟
إن دستور البلاد وقانون التربية والتعليم لم يضعا قط قيداً يحظر على العربي أو الأجنبي المقيم الحصول على مرتبته المستحقة في لوحة شرف المتفوقين.
فما الذي يحول حقاً بين الطالبة المجتهدة وبين قمة استحقاقها الساطع..؟
•••
يحاول الخبر أن يمسك العصا من المنتصف بأسلوب صحفي مرتبك، فيقول إن ربط الاستبعاد بجنسية رؤى أمر غير محسوم بصورة رسمية، بينما كل التصريحات المرفقة تقر صراحة بأن السبب هو لائحة الطلاب الوافدين..!
أليس الوافد هو المسمى الدبلوماسي لمن لا يحمل جنسية البلد المضيف..؟
هذا التلاعب اللفظي المكشوف لا ينطلي على عقل يمتلك أدنى درجات البصيرة والفهم.
فالقول بأن الإجراء يطبق على الوافدين بصورة عامة وليس على الطالبة السورية وحدها، هو اعتراف صريح بمأسسة التمييز وتعميمه ضد كل المبدعين العرب والأجانب على حد سواء..!
إن هذا المنطق العليل يقتل الطموح في نفوس مغتربين لم يجدوا في هذا الوطن إلا ملاذاً وأملاً في أفق أرحب.
•••
تجلس «رؤى» اليوم في زاويتها الهادئة المليئة بالصبر والكرامة، تقرأ رسائل التضامن الحارة التي تقاطرت عليها من كل صوب وادٍ، وهي تدرك يقيناً أن العدالة وإن تعثرت خطواتها، فإن صوت الحق لا يمكن خنقه بأدراج البيروقراطية الصماء.
تحدثت أمها بصوت يخالطه الفخر العظيم والحرقة الدفينة:
_ يا بنتي أنتِ عملتي اللي عليكِ وجبتي أعلى الدرجات، والناس كلها عارفة إنك الأولى، لا تزعلي نفسك أبداً..!
ردت رؤى وهي ترفع رأسها نحو أوراقها بكبرياء العارفين:
_ يا أمي أنا ما أدور غير على حقي العلمي، النجاح نجاح وما حد يقدر يمسحه لا من عقلي ولا من درجاتي التي حفرتها بجهدي وتعب ليلي..!
•••
يتساءل الضمير الجمعي الحصيف اليوم أمام هذا التعسف الإداري الواضح:
_ أليس التكريم استحقاقاً حقيقياً للأرقام والجهد المضني لا للوثائق الرسمية والأوراق العابرة..؟
_ كيف نعلّم الأجيال الناشئة قيمة العدالة وتكافؤ الفرص ونحن نسلب المتفوق ثمرة جهده أمام مرأى ومسمع من الجميع..؟
_ أي رسالة ترسلها هذه المؤسسات للشباب والطلاب حين ترى العقل يُهمش والدرجات تُسحق بقرار إداري مظلم..؟
•••
إن فتح باب التظلمات خطوة إدارية جيدة، لكنها تظل قاصرة وعبثية إن لم تترافق مع شجاعة أدبية تبرز النص القانوني المزعوم، أو تعترف بالخطأ الكارثي وتعيد ترتيب الأسماء وفقاً للدرجات الناصعة لا الجوازات الصامتة.
الحقيقة الناصعة التي يحاول الخبر طمسها وسط زحام الكلمات المتقاطعة، هي أن العلم لا يعترف بنظام الكفيل ولا يقبل بلوائح الفرز العنصري المبطن..!
إن المطلوب اليوم ليس مجرد تضامن عابر يزول بزوال الأيام، بل قرار شجاع جريء يتجاوز الهفوات الإدارية، ويعيد صياغة كشوف الأوائل لتتوج فيها الطالبة رؤى محمد شيخ في مرتبتها المرموقة المستحقة، إعلاءً لسامي سيادة القانون، وانتصاراً حقيقياً لرسالة العلم السامية التي لا تحُدّها حدود جغرافية ولا تفرق بحال بين أبناء الأمة الواحدة.
أخبار محلية
عدالة معطلة تسلب رؤى السورية تاج التميز..!