في اعتراف لافت يكشف حجم التدهور الذي تشهده العاصمة اليمنية صنعاء تحت سيطرة مليشيا الحوثي، وجّه القيادي الحوثي محمد المقالح انتقادات حادة لواقع الحياة السياسية والثقافية والإعلامية والمعيشية في مناطق سيطرة الجماعة، مؤكداً أن صنعاء تحولت إلى بيئة طاردة لمختلف فئات المجتمع، فيما تتعمق الانقسامات داخل سلطة الأمر الواقع نفسها.
وقال المقالح، في منشور على حسابه بمنصة «إكس»، إن رأس المال غادر صنعاء، وكذلك المثقفون والفنانون والسياسيون والنشطاء، مشيراً إلى أن القنوات الإعلامية والمراسلين غادروا العاصمة أيضاً، بينما يعيش من بقي تحت وطأة أزمات المعيشة اليومية.
ولم يكتفِ القيادي الحوثي بوصف حالة النزوح من المجالات الاقتصادية والسياسية والثقافية والإعلامية، بل استخدم تعبيراً بالغ القسوة في توصيف سلطة جماعته، قائلاً إن «سلطة صنعاء طاردة للحياة»، في إقرار نادر بأن المشكلة لم تعد، وفق روايته، مقتصرة على التضييق على المجال العام، وإنما امتدت لتطال مقومات الحياة نفسها.
ويأتي هذا الاعتراف من داخل صفوف الجماعة ليقدم صورة شديدة السلبية عن الأوضاع في العاصمة الخاضعة لسيطرة الحوثيين منذ سنوات، حيث يشير المقالح إلى أن صنعاء فقدت قطاعات واسعة من النخب ورؤوس الأموال والعاملين في الإعلام والفنون والسياسة، في وقت يكابد فيه من بقي أعباء الحياة اليومية.
وحاول المقالح في منشوره الفصل بين انتقاده لسلطة الحوثيين وتقييمه للسلطة الشرعية، مؤكداً أن حديثه لا يمثل تبريراً أو تخفيفاً من الانتقادات الموجهة إلى خصوم الجماعة، بل قال صراحة إنه يرى أن «الشرعية أفضل» ليس المقصود من كلامه، بل وصفها بأنها، من وجهة نظره، «أقبح بكثير».
غير أن أهمية المنشور تكمن في أن الانتقاد هذه المرة جاء من شخصية محسوبة على المعسكر الحوثي نفسه، إذ حمّل المقالح جماعته مسؤولية إنتاج بيئة سياسية مغلقة لا تتسامح مع التعدد، وقال إن السلطة في صنعاء «لا تقبل غير نفسها»، قبل أن يضيف أن الجماعة نفسها باتت «منقسمة على نفسها».
وحدد المقالح ما اعتبره السبب الجذري لهذه الأزمة في مفهوم «الولاية»، معتبراً أنها العامل الذي يستهلك سلطة الحوثيين ويدفعها نحو مزيد من الانغلاق والصراع الداخلي. ورأى أن الولاية، بحسب توصيفه، تقود بالضرورة إلى «الانفراد بالذات والاستحواذ على ما حولها».
ويكشف هذا الطرح عن خلافات عميقة داخل البنية الفكرية والسياسية للجماعة، إذ لم يعد النقد موجهاً فقط إلى أداء حكومتها أو سياساتها الاقتصادية والمعيشية، وإنما إلى الأساس الذي تقوم عليه رؤيتها للسلطة والحكم.
ويحمل حديث المقالح عن مغادرة الأموال والنخب والمثقفين والإعلاميين دلالات تتجاوز توصيف المشهد السياسي، إذ يعكس، في حال صح توصيفه، أزمة ثقة واسعة في البيئة التي فرضتها الجماعة في العاصمة والمناطق الخاضعة لسيطرتها، خصوصاً مع استمرار القيود على المجال العام وتضييق هامش النشاط السياسي والإعلامي والثقافي.
ويضع المنشور مليشيا الحوثي أمام انتقاد من داخل صفوفها، بعدما أقر أحد قيادييها بأن السلطة التي تدير صنعاء لم تعد، بحسب توصيفه، قادرة على استيعاب التنوع السياسي والاجتماعي، وأنها تحولت إلى قوة تدفع قطاعات من المجتمع إلى المغادرة أو الانكفاء على الذات.
كما أن إشارة المقالح إلى أن السلطة أصبحت «منقسمة على نفسها» تضيف بعداً آخر إلى المشهد، يتمثل في تصاعد التنافس داخل الجماعة حول النفوذ والقرار ومصادر القوة، في وقت تعاني فيه المناطق الخاضعة لسيطرتها من أزمات اقتصادية ومعيشية متفاقمة.
وبذلك، لا تبدو تصريحات المقالح مجرد انتقاد عابر لواقع صنعاء، بل شهادة من داخل معسكر الحوثيين على أزمة بنيوية تضرب نموذج الحكم الذي فرضته الجماعة، وتثير تساؤلات بشأن قدرتها على إدارة مجتمع متنوع في ظل منطق يقوم، وفق منتقديها ومن بينهم المقالح نفسه، على احتكار السلطة وإقصاء الآخرين.
وتحوّل صنعاء، وفق هذا الاعتراف، من عاصمة يفترض أن تكون مركزاً للحياة السياسية والثقافية والاقتصادية إلى مدينة يفقد فيها المجال العام عناصره الأساسية، بينما تتراجع مشاركة النخب ورؤوس الأموال والإعلاميين، ويزداد انكفاء السكان على مواجهة أعباء المعيشة.
ويقدم المنشور، في نهاية المطاف، رواية داخلية شديدة الانتقاد لواقع سلطة الحوثيين، ويكشف أن الاعتراض على نهج الجماعة لم يعد محصوراً في خصومها، بل امتد إلى أصوات من داخلها ترى أن استمرار سياسة الإقصاء والاستحواذ قد يقود السلطة نفسها إلى مزيد من التفكك والانهيار.