لم تكن قضية الطالبة المتميزة من أصول سورية في محافظة المهرة مجرد قصة نجاح فردية، بل تحولت إلى مرآة عاكسة لازدواجية المعايير والتعاطي الرسمي مع الحقوق في المشهد اليمني.
فبينما استنفرت قضيتها مؤسسات الدولة بدءاً من رأس الهرم في مجلس القيادة الرئاسي وصولاً إلى الحكومة والنشطاء لإنصافها، يواجه آلاف الموظفين النازحين والمدراء الذين أسسوا مفاصل الدولة في مناطق النزوح مصيراً قاصياً ومعاناة متواصلة امتدت لسنوات طويلة.
هذا التباين الصارخ بين سرعة الاستجابة للقضايا الإعلامية البارزة والصمت المطبق تجاه الوجع المعيشي المستدام للموظف النازح، يفتح الباب واسعاً أمام أسئلة حرجة حول غياب آليات العدالة الإدارية وتآكل الحد الأدنى من الحماية الاجتماعية والأخلاقية للعاملين في القطاع الحكومي.
المفارقة بين الإنصاف الإعلامي والتهميش المنهجي
يعكس التفاعل الرسمي الواسع مع القضايا الفردية مقابل التجاهل التام للأزمات المؤسسية الكبرى فهماً مشوهاً لمعنى المسؤولية. يوضح الكاتب والمحلل السياسي (ماجد علي) أن "الدولة تحركت باسترشاد من ضغط الشارع ومنصات التواصل الاجتماعي في قصة الطالبة، وهو أمر محمود بذاته، لكنه يكشف في المقابل عن عجز هيكلي أو تعمد سياسي في تجاهل مأساة موظفي الدولة النازحين".
ويشير مراقبون إلى أن المسؤولين الذين يتسابقون لالتقاط الصور مع الناجحين تحت عدسات الكاميرات، هم أنفسهم من يغلقون أبوابهم ويزيدون من تعقيد الإجراءات البيروقراطية أمام رواتب ومستحقات موظفين أفنوا أعمارهم في خدمة المؤسسات قبل أن تفرزهم ظروف الحرب والنزوح.
جحيم الواقع المعيشي وأرقام الوجع اليومي
يعيش آلاف الموظفين النازحين، ومنهم كوادر قيادية ومدراء عموم، تحت خط الفقر المدقع نتيجة توقف المرتبات المنتظمة أو تآكل قيمتها بفعل الانهيار المالي.
تآكل القدرة الشرائية:
يتقاضى غالبية الموظفين النازحين مرتباتهم بالعملة المحلية المتهالكة التي باتت تعادل مبالغ زهيدة لا تكفي لتغطية إيجار منزل لأسبوع واحد، فضلاً عن الغذاء والدواء.
التأخير والتسويف:
تتكشف بوضوح معاناة الموظف الذي ينتظر شهوراً لصرف مرتب متقطع، بينما تدار موازنات الدولة وصفقات الفساد بالعملات الأجنبية والعربية على مرأى ومسمع من الجهات الرقابية.
غياب المظلة النقابية:
تعاني النقابات العمالية من شلل تام أو تدجين سياسي حال دون قدرتها على تحريك ملفات النازحين القانونية والدستورية بفعالية.
المسؤولية السياسية وغياب الإرادة الحكومية
يحمل النازحون المتضررون القيادة السياسية والحكومية، ولا سيما وزارتي المالية والخدمة المدنية، المسؤولية المباشرة عن تكريس هذه المظالم. يروي أحد مدراء المكاتب التنفيذية النازحين (فضل عبدالله ): "لقد تعرضنا لتعسفات مقصودة من وزراء تعاقبوا على المالية والخدمة المدنية، وكأن نزوحنا جريمة يجب أن نعاقب عليها بقطع أرزاقنا وأرزاق أطفالنا، بينما تُصرف المخصصات السخية لجهات وهمية وأسماء مكررة". ويؤكد حقوقيون أن استمرار هذا الوضع يشكل انتهاكاً صارخاً للدستور والقوانين اليمنية التي تكفل حق الموظف في الحصول على مرتبه ورعايته المعيشية دون تمييز جغرافي أو سياسي.
خاتمة الاستطلاع
إن بقاء قضية الموظفين النازحين معلقة بلا حلول جذرية يحول المؤسسات الرسمية إلى واجهات خاوية تفقدها مصداقيتها أمام مجتمع أنهكته الحرب. وما لم تتزامن حملات الإنصاف الفردية والموسمية مع إصلاحات هيكلية شاملة تعيد للوظيفة العامة اعتبارها وللموظف النازح كرامته وحقوقه المالية كاملة، فإن سقف الثقة بين المواطن وأجهزة الدولة سيبقى مهشماً، وستظل صرخات الملايين شاهدة على مرحلة من أسوأ مراحل الإدارة والمسؤولية في تاريخ البلاد.