تعيش المحافظات الجنوبية والشرقية في اليمن، الخاضعة لسيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، على وقع اشتباكات بين القوات الحكومية وجماعة الحوثيين، ووسط استعدادات وتعزيزات عسكرية تحسباً لأي معركة شاملة قد تندلع مجدداً في البلاد. وفي زيارات ميدانية ركّزت بشكل أساسي على ثلاث محافظات، هي حضرموت وشبوة شرقاً والضالع جنوباً، اقتربت "العربي الجديد" أكثر من طبيعة الأوضاع في هذه المحافظات التي تشهد تصاعداً في الهجمات العسكرية ومدى تأثيرها على الأوضاع العامة وانعكاس هذه التطورات العسكرية وتداعياتها. والتقت "العربي الجديد" في المحافظات الثلاث، قيادات في السلطات المحلية والأمن والجيش ومواطنين وبعض الشخصيات الاعتبارية وقيادات سياسية وحزبية، حيث تحدث هؤلاء عن تحول في الجانبين العسكري والأمني، لكن الأزمات المعيشية ظلت تنغص معيشة السكان.
كما هو الحال في المحافظات الأخرى، فإن السكّان في حضرموت وشبوة والضالع يعيشون وضعاً صعباً في الخدمات وفي مقدمتها الكهرباء، وتتزايد معاناتهم خلال أشهر الصيف، في ظل مخاوف من انهيار الخدمات أكثر إذا ما اندلعت الحرب وتكرر سيناريو حروب السنوات الماضية.
وتعيش المحافظات الثلاث أزمات في الوقود والغاز المنزلي وكذلك وقود السيارات، وهي هموم يومية مشتركة بينها، تحدث عنها مواطنون وهي تزيد من معاناتهم، إضافة إلى ارتفاع الأسعار المستمر وعدم وجود أي حلول لمعالجتها.
مسؤولون في السلطات المحلية في هذه المحافظات اليمنية برّروا الفشل في حل هذه الأزمات وتكرار حدوثها، بأنها تعد خارج صلاحياتهم وقدراتهم وتحتاج إلى تدخل الحكومة أو مجلس القيادة الرئاسي، معتبرين أن الميزانيات والموارد قليلة ولا تغطي ولو جزءاً بسيطاً من احتياجات المحافظات.
رغم التصعيد العسكري الحالي التي تشهده خطوط التماس في هذه المحافظات، فإن الزائر إلى محافظات شبوة وحضرموت، وكذلك الضالع، قد لا يشعر من الوهلة الأولى بأن هذه المحافظات تعيش أجواء حرب، بينما يمارس المواطنون حياتهم بشكل طبيعي وتعجّ الأسواق بالناس. ورصدت "العربي الجديد" حضوراً لقيادات السلطات المحلية، وكذلك للقطاع الخاص، مع زيادة الإجراءات والتشديدات الأمنية في هذه المحافظات.
وفي الوقت الذي تشهد فيه مؤسسات الدولة في شبوة استقراراً، فقد بدا واضحاً أن محافظتي حضرموت والضالع تعيشان تحولاً كبيراً على مستوى السلطات المحلية، حيث تشهدان وفق مسؤولين في هذه السلطات التقتهم "العربي الجديد" تغييرات طاولت أغلب مسؤولي المكاتب والمؤسسات والمرافق الحكومية في المحافظتين، بالإضافة إلى القضاء على تجاوز الصلاحيات وتداخلها، والتي كانت تتنازعها أطراف عدة خلال السنوات الماضية، وأثّرت على أدائها وتسببت بفشلها. وذكرت المصادر أن أكثر من مائة مسؤول حكومي في حضرموت وعدداً قريباً منهم في الضالع تمّت إقالتهم خلال الأشهر الأخيرة الماضية، ضمن مساعي الحكومة لتحديث مؤسسات الدولة.
وتتشابه المحافظات الثلاث في طريقة تطبيع الأوضاع وتزايد الأنشطة والفعاليات المدنية والمجتمعية رغم أجواء الحرب، وعدم تأثرها بالتصعيد العسكري الحاصل. وتحدث مسؤولون محليون وكذلك عسكريون لـ"العربي الجديد" عن تنظيم الأوضاع، سواء على المستوى العسكري في الجبهات أو الحفاظ على الأمن والاستقرار، وممارسة المواطنين حياتهم بشكل طبيعي.
وتؤكد قيادات في السلطات المحلية وكذلك مسؤولون وقيادات عسكرية في شبوة والضالع وحضرموت، أن المعركة تدار اليوم من غرفة عمليات موحدة، وأن تغيير المعادلة العسكرية وقواعد الاشتباك التي فرضتها الحكومة في مواجهة التصعيد الحوثي، انعكس على باقي الجبهات وفي استقرار الأوضاع بالمحافظات الثلاث، خصوصاً بعد توحيد التشكيلات العسكرية والأمنية. وبحسب قادة عسكريين، فإن قوات الجيش وكذلك التشكيلات والوحدات العسكرية المنضوية تحت لواء وزارة الدفاع، أعادت تشكيل مسرح العمليات وفقاً للتحديثات الجديدة داخل هذه القوات في كل الجبهات وتعمل على تأمين هذه المحافظات وأي مهام عسكرية محتملة مُقبلة، حيث تمّ الدفع بتعزيزات عسكرية إلى الجبهات وتحديداً في حدود محافظة شبوة مع محافظتي مأرب والبيضاء، وكذلك إلى حدود محافظة الضالع مع محافظتي إب وتعز.
وتزايدت آمال المواطنين في هذه المحافظات بالحسم العسكري بعد توحيد التشكيلات المسلحة ضمن الحكومة، وشكّلت جزءاً كبيراً من نقاشاتهم في الأسواق العامة، حيث تحدث الكثير منهم عن ضرورة الإسراع وعدم التأخر في إطلاق عملية عسكرية شاملة لاستعادة السيطرة على ما تبقى من مناطق خاضعة لسيطرة الحوثيين. وفي شبوة، طالب التربوي عبدالله بلحارث في حديث لـ"العربي الجديد"، قيادة الجيش الوطني باستغلال هذه الفرصة والتوسع في العمل العسكري ضد الحوثيين باعتبارها حسب قوله "فرصة للقضاء على تهديدهم، بالرد عليهم بنفس سلاحهم وهو سلاح الطيران المسيّر"، مؤكداً أن "استخدام الجيش الوطني الطيران المسيّر أثبت فاعليته وكبّد الحوثيين خسائر كبيرة، وأضعف قدراتهم".
من جهته، رأى سليم الحميدي في الضالع، في حديث لـ"العربي الجديد"، أن قوات الجيش الوطني بعد توحيد كل التشكيلات والوحدات العسكرية تحت قيادة واحدة وقرار واحد وبعد تمكنها من الحصول على سلاح الردع والطيران المسيّر، تستطيع إنهاء انقلاب الحوثيين. كلام سليم تقاطع مع ما تحدث به مواطنون وافدون من مناطق سيطرة الحوثيين أكدوا فيه تزايد مسيرات تشييع قتلى الجماعة في مدن ومناطق سيطرتهم.
وفي السياق، وسّعت قوات الأمن والجيش في محافظتي حضرموت وشبوة من عملياتها لتخفيف مسارات التهريب ونشرت وحدات عسكرية وأمنية للسيطرة على الطرق والمسارات سواء البحرية أو البرّية بما فيها في الصحراء لإغلاق كل الطرق التي كان يستخدمها الحوثيون للتهريب أو التي يمكن أن يتم استخدامها. وذكر مسؤولون أمنيون في حضرموت وشبوة لـ"العربي الجديد"، أن التشكيلات العسكرية في هاتين المحافظتين صعّدت من عملياتها ضد مسارات التهريب وشكلت محور ارتكاز في التصعيد العسكري الحالي. وكشف مسؤول أمني بارز لـ"العربي الجديد"، أن العمليات العسكرية التي تقوم بها التشكيلات المختلفة في شبوة وحضرموت شكلت ضربةً لمسارات التهريب، بعدما أصبح مثلث الرويك والعبر والثنية مغلقاً تماماً وقطع أي احتمال للتهريب.