في وقت استثنائي، تشهد فيه المفاهيم الاستهلاكية تحولات عميقة تحت وطأة التحديات الصحية والاقتصادية، تتجه العاصمة عدن نحو إعادة صياغة نمط التغذية اليومي للمواطنين على مستوى البلد، عبر تحركات رسمية ونقاشات موسعة تستهدف إحلال الخبز الأسمر والمخلوط المصنوع من "الحبة الكاملة" بدلاً من الدقيق الأبيض المكرر.
ويرى خبراء واقتصاديون أن هذا التوجه يمثل نقطة تلاقٍ جوهرية بين القرارات الحكومية الرامية لرفع جودة السلع الأساسية وتقليل الهدر الغذائي في بلد يستورد أكثر من 90% من احتياجاته من القمح، وبين وعي مجتمعي متزايد يسعى لتفادي الأعباء الصحية والمالية الناجمة عن الأمراض المزمنة.
*الصناعة تقود التغيير بمشاركة الصحة والزراعة والإعلام*
لبحث الآليات الفنية الكفيلة بمراجعة نسبة استخلاص الدقيق ورفعها، قام نائب وزير الصناعة والتجارة، المستشار سالم سلمان الوالي، بعقد اجتماع موسع في عاصمة البلد، ضم مديري عموم قطاع التجارة الداخلية وممثلي مصانع الدقيق المحلي، لبحث الآليات الفنية الكفيلة بمراجعة نسبة استخلاص الدقيق ورفعها، بما يضمن رفع محتواه من الألياف والمعادن والارتقاء بقيمته الغذائية.
الوالي شدد على أن الوزارة، بقيادة الوزير محمد الأشول، تضع حماية المستهلك واستقرار الأسواق في مقدمة أولوياتها، ووجّه بإطلاق حملات توعوية وطنية بالتعاون الشامل مع وزارة الصحة العامة والسكان، ووزارة الزراعة والريّ والثروة السمكية، والهيئة اليمنية للمواصفات والمقاييس، وبمشاركة وزارة الإعلام والوسائل الإعلامية، لتكريس ثقافة الأغذية ذات الاستخلاص العالي وتشجيع الأنماط الصحية.
*قفزة إنتاجية وتحديات تشهدها المخابز*
وعلى صعيد القطاع الخاص، بيّنت الاستطلاعات الميدانية على أفران الروتي والمخابز عن استجابة متسارعة لمطالب الشارع والتوجهات الحكومية المرتقبة.
وأكد مالك "مخبز الشذر في حيّ النقيب بالمنصورة" أن الطلب المتزايد على الخبز الأسمر دفع الأفران الآلية إلى رفع طاقتها الإنتاجية من هذا النوع لتصل إلى نحو 40% من إجمالي الإنتاج اليومي، بعد أن كانت النسبة لا تتجاوز 5% في الفترات السابقة مقارنة بالدقيق الأبيض.
لكنه أشار في المقابل إلى عقبة تقنية تواجه الأفران الشعبية، قائلاً: "تأقلم المخابز الشعبية مع الخبز الأسمر يواجه صعوبة في ضبط طراوة العجين ولزوجته، مما أدى في التجارب الأولى إلى منتج أكثر قساوة. ندعو وزارة الصناعة والجهات ذات العلاقة إلى دعم هذه الأفران ونشر الوصفات والطرائق الفنية المعتمدة كجزء من جهود التوعية لضمان إنتاج الروتي كما ينبغي."
*الدراسات تُنهي الجدل لصالح "الحبة الكاملة"*
.تأتي هذه الخطوات العملية لتترجم ما حسمته الأبحاث والدراسات الصادرة عن المراكز العلمية الدولية؛ حيث تؤكد تقارير منظمة الأغذية والزراعة (FAO) ومنظمة الصحة العالمية (WHO) أن معالجة وتكرير القمح لصناعة الدقيق الأبيض يؤديان إلى فقدان أكثر من 60% من فيتامينات B و70% من عناصر المغنيسيوم والحديد والزنك الذاتية.
*حقائق سريعة: الفرق بين الخبز الأبيض والحبة الكاملة (المصدر: منظمة الصحة العالمية - WHO) "انفوجرافيك"*
*الألياف*: الخبز الأسمر يحتوي على 3 أضعاف الألياف الموجودة في الأبيض.
*السكر والدم*: المؤشر الجلايسيمي للخبز الأسمر (GI ≈ 56) أقل بكثير من الخبز الأبيض (GI ≈ 75)، مما يمنع الصدمات السكرية في الدم.
*الوقاية*: خفض خطر الإصابة بأمراض القلب التاجية بنسبة 19% والسكري من النوع الثاني بنسبة 21% عند الاعتماد اليومي على الحبوب الكاملة.
وأوضح أطباء متخصصون في عدن أن تفشي أمراض السمنة ومقاومة الأنسولين في السنوات الأخيرة مرتبط بشكل مباشر بالاعتماد المفرط على "النشويات الناصعة"، وأن التحول نحو الخبز الأسمر يمثل خطوة وقائية جبارة تُقلل من الفاتورة العلاجية على مستوى الأسر والدولة.
*ارتياح مجتمعي وإشادة بالبدائل*
وعبرت أوساط محلية وأرباب أسر في عدن عن ترحيبهم بهذه التحركات، مؤكدين أن إتاحة الخبز الأسمر والمخلوط بشكل واسع وبجودة ممتازة يشكل مكسباً يمس تفاصيل حياتهم اليومية.
وقال المواطن حسين صلاح (45 عاماً)، خلال حديثه أمام أحد منافذ البيع: "طالما انتظرنا هذه التوجهات الرسمية. توصيات الأطباء كانت دائماً تنصح بالابتعاد عن الأبيض، وتحولنا للخبز الأسمر اليوم هو استثمار حقيقي في صحة أبنائنا للوقاية من السكري ومشاكل الهضم، خصوصاً مع الالتزام الواضح بالمعايير."
من جانبها، أوضحت المواطنة مريم سمير (38 عاماً) أن التحسن في جودة المنتج ألغى التخوف السابق من قساوة الخبز الأسمر، قائلة: "في السابق كان الخبز الأسمر نادراً وقاسياً، أما اليوم فإن المنتج الجديد يجمع بين الفائدة الصحية والطراوة العالية، مما جعلها الخيار الأول والأفضل لعائلتنا على مائدة الإفطار والعشاء."
*أطر تنفيذية مدروسة لضمان استقرار الأسعار*
ولضمان عدم تأثر سلاسل الإمداد أو إثارة أي اضطرابات سعرية في ظل الظروف الاقتصادية الحالية، شدد الاجتماع الوزاري برئاسة نائب وزير الصناعة والتجارة سالم الوالي على ضرورة وضع برامج تنفيذية تعتمد على مؤشرات قياس واضحة وتدرج مدروس في التطبيق.
ويهدف هذا النهج إلى تحسين المواصفات الفنية للدقيق دون تحميل المستهلك تكاليف إضافية، مع التأكيد على أن الشراكة الفاعلة بين المؤسسات الحكومية والقطاع الخاص هي الضامن الأهم لتحقيق توازن مستدام بين السلامة الصحية والاستقرار الاقتصادي في السوق المحلي.