تكشف التطورات الأخيرة في جبهة الساحل الغربي عن استمرار حالة الارتباك داخل منظومة القيادة الحوثية، بالتزامن مع تصاعد الصراعات بين قياداتها الميدانية، في وقت تواجه فيه المليشيات صعوبة في تحويل هجماتها إلى مكاسب عسكرية مستقرة، خصوصًا في محيط حيس بمحافظة الحديدة.
تجربة الحوثيين في جبهة الحديدة تؤكد أن الجماعة، رغم امتلاكها القدرة على استخدام الألغام والأنفاق والعبوات وعمليات التسلل، عجزت عن تحقيق انتصار عسكري حاسم على امتداد الساحل.
المداني.. تحصينات وألغام دون حسم
ويستحضر الإعلامي محمود العتمي مرحلة تولي القيادي الحوثي يوسف المداني قيادة المنطقة العسكرية الخامسة ومسؤوليته المباشرة عن جبهة الحديدة، معتبرًا أن ما استطاع الرجل إنجازه تمثل بصورة أساسية في تلغيم الأرض، وتشييد الأنفاق، ودفع مجاميع متسللة لزراعة العبوات والألغام، بينما ظلت النتائج الميدانية، بحسب قراءته، محكومة بالهزائم والانسحابات والفرار.
ويشير هذا التقييم إلى أن التكتيكات التي اعتمدت عليها المليشيات في الساحل كانت تهدف بدرجة أكبر إلى إبطاء تقدم القوات المناوئة لها واستنزافها، دون أن تتحول إلى قدرة فعلية على فرض السيطرة العسكرية أو تحقيق اختراق استراتيجي مستدام.
وبعد انتقال المداني إلى رئاسة هيئة الأركان الحوثية خلفًا للغماري، تولى نجيب صالح الكشري، المعروف بأبو لقمان، واجهة القيادة في الحديدة، وهو قيادي سبق له العمل ضمن مجاميع الحوثيين في جبهة التحيتا.
ويضع العتمي تجربة الكشري ضمن سياق مختلف، مشيرًا إلى أن الرجل خاض، خلال تجربته السابقة في التحيتا، صراعات داخلية داخل صفوف المليشيات أكثر مما خاضه من مواجهات مباشرة مع القوات الحكومية.
وكان الكشري قد دخل في صراع استمر عدة أشهر مع القيادي الحوثي عبده عطيفي، الذي كان يقود أحد المحاور في مديرية التحيتا، قبل أن ينزوي بعيدًا عن المشهد لسنوات، ثم يعود لاحقًا إلى الواجهة بقرار تعيينه محافظًا للحديدة.
وبحسب قراءة العتمي، فإن إعادة تدوير هذه القيادات لا تعني بالضرورة تجاوز الخلافات السابقة، بل قد تعيد إنتاجها داخل منظومة القيادة نفسها، وهو ما بدا واضحًا مع تجدد التوتر بين الكشري والقيادي الحوثي عقيل الشامي، قائد ما يسمى بألوية النصر، والذي تطور خلال الأيام الماضية إلى اشتباك بين مجاميع تابعة للطرفين.
تعدد مراكز النفوذ يربك جبهة الحديدة
وتزداد صورة الارتباك وضوحًا مع إعادة توزيع عدد من المواقع العسكرية في مسرح عمليات المنطقة الخامسة، خصوصًا في المديريات الشرقية من الحديدة، على مجاميع تتبع القيادي الحوثي عبدالخالق الحوثي، قائد ما يسمى المنطقة المركزية.
ويقرأ العتمي هذه التطورات باعتبارها مؤشرًا على تعدد مراكز النفوذ داخل الجبهة الحوثية، في وقت يفترض فيه أن تكون جبهة بحساسية الحديدة محكومة بقيادة عسكرية موحدة، خصوصًا مع استمرار التوترات العسكرية على خطوط التماس.
ومن هذه الزاوية، يرى العتمي أن المليشيات تواجه مأزقًا في القيادة أكثر منه نقصًا في أدوات القتال؛ فامتلاك الصواريخ والطائرات المسيّرة وقذائف الهاون لا يكفي، إذا كانت القيادة الميدانية تعاني الانقسام وتضارب مراكز القرار.
وتجلت هذه المعضلة بصورة أوضح خلال الهجوم الحوثي الأخير على حيس، حيث دفعت المليشيات بقوة نارية كبيرة شملت الصواريخ والطائرات المسيّرة وقذائف الهاون، وهاجمت مواقع القوات الحكومية من مختلف المحاور لأكثر من 12 ساعة.
ورغم تمكن الحوثيين من السيطرة على عدد من المواقع بصورة مؤقتة، فإن الهجوم لم يتحول إلى اختراق ميداني مستقر، إذ سرعان ما بدأت القوات الحكومية هجومًا مضادًا استعاد المواقع التي فقدتها خلال وقت قصير.
ويصف العتمي هذه التطورات بأنها اختبار واضح للفارق بين القدرة على شن الهجوم والقدرة على الاحتفاظ بنتائجه؛ فالسيطرة المؤقتة على موقع أثناء هجوم واسع لا تمثل انتصارًا إذا لم تتمكن القوة المهاجمة من تثبيت وجودها وتحويله إلى تقدم مستدام.
من صد الهجوم إلى استعادة المبادرة
وبحسب المعطيات التي يستند إليها العتمي، فإن القوات الحكومية تمكنت خلال نحو ساعة من بدء الهجوم العكسي من استعادة المواقع التي سيطر عليها الحوثيون، قبل أن تنتقل إلى مرحلة أكثر تقدمًا في محيط حيس.
وامتد التقدم إلى عشرات المواقع في جبال دباس والمساجد والبغيل شمال حيس، إلى جانب مواقع خلف سقم والبراشا ووادي نخلة والفش والقلمة شرق وجنوب المديرية.
ويحمل هذا التطور دلالة عسكرية مهمة؛ إذ تحولت القوة الحوثية التي بدأت الهجوم بهدف توسيع نطاق سيطرتها إلى قوة تواجه هجومًا مضادًا أفقدها مكاسبها المؤقتة ودفع بالعشرات من عناصرها، وفق المعطيات الميدانية، إلى الفرار من مواقع الاشتباك.
ويرى العتمي أن الأهم في معركة حيس لا يتمثل فقط في استعادة المواقع، وإنما في انتقال القوات الحكومية من وضعية الدفاع إلى استعادة المبادرة والهجوم والتقدم، وهي نقطة فارقة في مسار أي مواجهة عسكرية طويلة.
وتواصل القوات المشاركة عمليات تأمين المواقع المستعادة وتثبيت خطوط التقدم، بالتزامن مع استمرار العمليات الهجومية، فيما تبدو الروح المعنوية للمقاتلين، وفق توصيف العتمي، شبيهة بتلك التي رافقت معارك التقدم السابقة باتجاه محيط مدينة الحديدة.
ويؤكد الصحفي محمود العتمي أن هذه التفاصيل لا تُقرأ بمعزل عن سنوات من القتال في الساحل الغربي، حيث تشكلت لدى المقاتلين خبرة ميدانية متراكمة وروح قتالية مرتبطة بمفهوم استعادة الأرض وتحرير المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين.