اندلعت النيران مؤخراً في مبنى قيد الإنشاء تابع لمركز بيانات "ليك مارينر" في نيويورك، كاشفةً عن فجوات خطيرة في معرفة فرق الإطفاء المحلية بالمنشأة، وغياب أنظمة الإنذار والإطفاء، ونقص المياه. فقد وجد رجال الإطفاء أنفسهم يعملون "بشكل أعمى" وسط دخان كثيف لم يتمكنوا من تحديد مصدره بسبب احتراق وثائق السلامة الضرورية.
أوضح ستيف ماتيس، رئيس قسم الإطفاء في باركر، أن الأمر كان "وضعاً صعباً"، مشيراً إلى عدم يقينه من ادعاء احتراق وثائق السلامة في الحريق نفسه. يقع هذا الموقع في منطقة تعدين فحم سابقة على بحيرة أونتاريو، ويضم مجمعاً ضخماً بقيمة 3.2 مليار دولار، وهو أحد أكبر مشاريع مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي في نيويورك، ويشمل أطرافاً متعددة. فشركة "تيرا وولف" تدير المركز، وتستأجر الأرض من شركة يملكها رئيسها التنفيذي. وستتولى شركة "فلويد ستاك" البريطانية تشغيل المركز، بينما تمتلك "جوجل" حقوقاً مستقبلية في 14% من أسهم الشركة، وتتولى ضمان دفعات إيجار "فلويد ستاك". كما أن شركة "أنثروبيك" هي من بين شركات الذكاء الاصطناعي التي تخدمها المنشأة لتلبية احتياجاتها الحسابية.
أفادت "تيرا وولف" لاحقاً بأنها مسؤولة عن "السلامة التشغيلية والاستعداد للطوارئ في مجمع بيانات ليك مارينر، بما في ذلك أنظمة السلامة المطلوبة والتنسيق مع المستجيبين الأوائل المحليين". وأضافت كيري لانجليس، كبيرة مسؤولي الاستراتيجية في الشركة، أنه تم تركيب صناديق "نوكس" (Knox boxes) وصهاريج إضافية، وحقائب تحتوي على صحائف بيانات السلامة، وذلك بعد مراجعة مع المقاطعة. ورغم أن ماتيس أكد في منتصف أغسطس أن ممثلاً عن "نوكس" زار الموقع، وأن هناك اجتماعاً مخططاً لتطوير البرنامج، إلا أنه أشار إلى أن صهاريج المياه "لا تزال جافة"، ولم يرَ أي عمل تم إنجازه عليها. وعلى الرغم من أن الحريق لم يبطئ وتيرة البناء ولم يسفر عن إصابات، إلا أن حادثة "ليك مارينر" تسلط الضوء على نظام يتسم بالغموض في تحديد المسؤوليات، سواء كانت قانونية، تشغيلية، مالية، أو حتى مسؤولية السمعة فيما يتعلق بتأثير مراكز البيانات على شبكة الطاقة وإمدادات المياه.
يثير المشروع تساؤلات مجتمعية حول العائد الفعلي الذي تحصل عليه بلدة سومرست مقابل استضافتها لأحد أكبر مشاريع مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي في الولاية. فبينما أشارت تقديرات مشروع "تيرا وولف" إلى توفير ما بين 35 إلى 40 وظيفة دائمة عند اكتمال المشروع، وهو رقم يقل بكثير عن الـ 165 وظيفة و 85 مليون دولار استثمار رأسمالي كانت قد وعدت بها الجهة المالكة للأرض في عام 2019. وقد اعترفت حاكمة نيويورك، كاثي هوتشول، بهذا التفاوت، مشيرة إلى أن مراكز البيانات "لا توفر وظائف كبيرة وطويلة الأجل"، ودعت الصناعة إلى تبني نهج أكثر ذكاءً. وتشير الخبيرة بيلار توماس إلى أن غالبية الوظائف تكون مؤقتة خلال فترة الإنشاء، وأن عدد الموظفين الدائمين يكون قليلاً جداً ما لم تكن هناك التزامات بتدريب أفراد المجتمع المحلي لتولي عمليات الصيانة والتشغيل.
تلقي مراكز البيانات الضخمة بعبء التكاليف على عاتق الجميع، فزيادة الطلب المستمر على الطاقة ترفع تكلفة النظام الكهربائي بأكمله، وهو ما ينعكس على فواتير الكهرباء لجميع المستهلكين. ورغم أن شركة "أنثروبيك" تعهدت بتغطية الزيادات في أسعار الكهرباء وتكاليف البنية التحتية المتعلقة بمراكز بياناتها، إلا أن هذا التعهد لا يشمل جوانب أخرى مثل الضوضاء والطاقة النظيفة. وتكمن المشكلة في أن "أنثروبيك"، في المواقع المستأجرة مثل "ليك مارينر"، قد تفتقر إلى الآلية اللازمة للتحقق من الادعاءات البيئية والسلامة التي تقدمها "تيرا وولف". كما أن شكاوى الضوضاء المستمرة، التي تصل إلى المنازل المجاورة، تثير قلق السكان.
تغيرت لغة "تيرا وولف" فيما يتعلق بالطاقة، فبعد أن وصفت في تقرير سابق مجمع "ليك مارينر" بأنه يعمل بـ "95% من الطاقة الخالية من الكربون"، أشارت سياستها الأحدث إلى نهج "منخفض الكربون" و"خالٍ من الكربون" معاً، معتمدة على المزيج العام للطاقة في المنطقة. ومع ذلك، لا يبدو أن الشركات المعنية لديها طريقة للتحقق علناً من مدى استيفاء كهرباء "ليك مارينر" لهذه المعايير. تعتمد "تيرا وولف" على أن المنطقة التي يقع فيها المركز تستخدم نسبة عالية من الطاقة النووية والكهرومائية، لكنها لا تستخدم شهادات الطاقة المتجددة لإعادة تصنيف كهرباء الموقع. فالإلكترونات، كما يصفها المتحدث باسم هيئة الطاقة في نيويورك، هي مورد قابل للتبديل، ولا يمكن تتبعها إلى مصدر معين. وهذا يثير تساؤلات حول قدرة "تيرا وولف" و"أنثروبيك" و"جوجل" على التحقق من مدى نظافة مزيج الطاقة المستخدم، خاصة وأن "جوجل" لديها معايير صارمة تتطلب مطابقة الطاقة المستخدمة في الوقت الفعلي.
تتفاقم مشكلة ضبابية المسؤولية مع تداخل أدوار الشركات، كما يتضح في قضية "جوجل" وحقوقها في أسهم "تيرا وولف". فقد اعتبرت الجهات التنظيمية أن حقوق الاستحواذ غير الممارسة لا تمنح سيطرة فعلية، وبالتالي لا تتطلب الإفصاح عنها. لكن منظمة "Public Citizen" ترى في ذلك ثغرة كبيرة، مشيرة إلى أن هذا الموقف مشابه للموقف الذي اتخذته "تيرا وولف" برفضها الاجتماع بالمجتمع المحلي حول منشأتها في ماريلاند. وتستمر هذه الصعوبة في المساءلة على كافة مستويات قطاع مراكز البيانات. في هذا السياق، أقرت الهيئة التشريعية لولاية نيويورك "قانون تطوير مراكز البيانات المسؤولة"، والذي يهدف إلى تنظيم البصمة البيئية والطاقية لهذه المراكز، لكنه لم يوقع بعد، بينما أصدرت الحاكمة أمراً تنفيذياً يفرض حظراً مؤقتاً على تصاريح مراكز البيانات الضخمة، وهو ما لا يشمل مشروع "ليك مارينر" الذي حصل على تصاريحه سابقاً. وبينما يستمر البناء دون تباطؤ، تبقى مشاكل إمدادات المياه قائمة، مما يثير قلق رجال الإطفاء بشأن قدرتهم على التعامل مع الحرائق المستقبلية.