خاص ( البعد الرابع) غرفة الأخبار
نشر في الأربعاء , 9 سبتمبر , 2026-08:39 مساءً
في المقال السابق توقفنا عند ظاهرة شغل العسكريين للوظائف المدنية، في الوقت الذي ينتظر فيه آلاف الخريجين المدنيين فرصتهم للعمل في مؤسسات الدولة، وهم يحملون المؤهلات العلمية، وبعضهم يمتلك الخبرة والتخصص. وخلصنا إلى أن المشكلة لا تتعلق فقط بأحقية شخص في وظيفة، وإنما بضرورة احترام التخصص، وتحقيق التوازن بين حاجات المؤسسة ومؤهلات شاغلي الوظائف.
لكن للمشكلة وجهاً آخر لا يقل أهمية، وربما أكثر خطورة؛ وهو إسناد بعض المواقع العسكرية والأمنية إلى أشخاص لا يمتلكون التأهيل العسكري الكافي، أو الانتقال بهم من المجال المدني أو الديني إلى المجال العسكري بصورة سريعة، وصولاً في بعض الحالات إلى مواقع قيادية.
وهنا يبرز السؤال الذي ينبغي ألا نخشى طرحه: هل تكفي قوة العقيدة والقناعة والإيمان بالقضية لكي يصبح الإنسان مقاتلاً صالحاً للالتحاق بالجبهة، أو قائداً عسكرياً قادراً على إدارة المعركة؟
الإجابة العلمية والمهنية لا يمكن أن تكون إلا: لا.
العقيدة تمنح الدافع… لكنها لا تصنع المهنة
صحيح أن القناعة بالقضية التي يقاتل الإنسان من أجلها يمكن أن تمنحه قوة معنوية كبيرة، وتساعده على الصبر والتحمل والتضحية. وقد تكون الروح المعنوية عاملاً حاسماً في الحروب، خصوصاً عندما يشعر المقاتل بأنه يدافع عن قضية يؤمن بها.
لكن هناك فرقاً جوهرياً بين الدافع إلى القتال وبين القدرة على خوض الحرب. فالمقاتل يحتاج إلى معرفة استخدام السلاح، والانضباط، والتحرك في الميدان، والاتصال، والإسعاف الأولي، وحماية نفسه ورفاقه، وفهم الأوامر، والعمل ضمن وحدة عسكرية، والتعامل مع الظروف المتغيرة. أما القائد فيحتاج إلى ما هو أبعد من ذلك بكثير: التخطيط، وإدارة الأفراد، وتقدير الموقف، واتخاذ القرار، وفهم طبيعة الأرض، وإدارة الموارد، والتنسيق بين الوحدات والأسلحة المختلفة.
ولهذا فإن الجيوش الحديثة لا تنظر إلى التدريب بوصفه إجراءً شكلياً يسبق إرسال المجند إلى الجبهة، وإنما باعتباره جزءاً أساسياً من الجاهزية القتالية.
فالجيش الحقيقي يعرّف التدريب بأنه الوسيلة التي يُعِدّ بها العسكريون أنفسهم للعمليات المستقبلية ويبنون بها الجاهزية، ويؤكد أن التدريب ينبغي أن يكون واقعياً ومتكرراً حتى يصل الأفراد والوحدات إلى إتقان المهام المطلوبة.
بل إن الخبرة العسكرية الحديثة تذهب أبعد من ذلك؛ فالتأهيل العسكري لا يتوقف عند التدريب الأولي، وإنما يستمر عبر مراحل متدرجة من التعليم والتخصص والتدريب القيادي. وتشير الأدبيات العسكرية إلى أن التعليم العسكري المهني ينبغي أن يكون متدرجاً ومتتابعاً طوال المسار الوظيفي للعسكري، بحيث يكتسب كل مستوى من مستويات القيادة معارف ومهارات تتناسب مع المسؤولية التي يتولاها.
وقد يقول قائل: نحن في مجتمع اعتاد حمل السلاح، والشاب يعرف البندقية منذ طفولته، فلماذا كل هذا الحديث عن التدريب؟ لكن هذه الحجة تنتمي إلى زمن مختلف. فمعرفة استخدام بندقية شخصية لا تعني معرفة خوض حرب حديثة.
المعركة اليوم لم تعد مجرد مواجهة بين مجموعتين من الرجال يحملون البنادق والرشاشات. لقد دخلت إلى ميدان القتال الطائرات المسيّرة، والاستطلاع الإلكتروني، والاتصالات الحديثة، والحرب الإلكترونية، والصواريخ الدقيقة، وأنظمة المراقبة والاستهداف، وغيرها من التقنيات التي غيّرت شكل المعركة بصورة جذرية.
وما تكشفه الحروب في إيران وأوكرانيا يمثل مثالاً صارخاً على ذلك. فهناك الطائرات المسيّرة أصبحت عاملاً أساسياً في البيئة القتالية، وفي عام 2026، كانت قوات الناتو تتدرب بصورة عملية على مواجهة الطائرات المسيّرة واستخدام الحرب الإلكترونية ووسائل أخرى للتعامل معها.
فإذا كانت جيوش تمتلك تاريخاً طويلاً من التعليم العسكري والتدريب والتجربة لا تتوقف عن تحديث برامجها، فكيف يمكن أن نفترض أن الإنسان يستطيع الانتقال من مهنة مدنية أو مجال ديني إلى الجبهة مباشرة، ثم يؤدي مهمته بكفاءة لمجرد أنه يمتلك الحماس والرغبة في القتال؟
والمسألة أكثر حساسية في بلادنا؛ لأن السنوات الطويلة للحرب أنتجت ظاهرة واسعة تتمثل في تعبئة أفراد من خلفيات اجتماعية ومهنية مختلفة للالتحاق بالتشكيلات المسلحة.
وتشير الدراسات إلى أن جماعات دينية يمنية نجحت في تعبئة مقاتلين على نطاق واسع، وأن منتسبين إلى التيار السلفي التحقوا بتشكيلات عسكرية، مع الإشارة إلى أن أعداداً منهم التحقوا بتدريب عسكري رسمي داخل الألوية النظامية وأشارت إلى وجود حافز اقتصادي قوي يتمثل في انتظام الرواتب مقارنة ببعض التشكيلات الأخرى.
وهذه المعلومة مهمة؛ لأنها تقودنا إلى التمييز بين أمرين كثيراً ما يجري الخلط بينهما: الخلفية الدينية للمجند شيء، والتأهيل العسكري الذي يتلقاه شيء آخر.
ليس عيباً أن يأتي الجندي من خلفية دينية، كما ليس عيباً أن يأتي من خلفية مدنية أو قبلية أو اجتماعية مختلفة. العيب يبدأ عندما تتحول الخلفية الشخصية إلى بديل عن معايير الكفاءة العسكرية.
فالجيش مؤسسة مهنية، لا تجمعاً بشرياً قائماً على التشابه الفكري أو العقائدي وحده.
وماذا عن المواقع القيادية؟
إذا كان من الممكن، من الناحية العملية، تدريب المدني وتحويله إلى جندي محترف، فإن المسألة تصبح أكثر تعقيداً عندما يتعلق الأمر بالمواقع القيادية العليا.
فالقيادة العسكرية ليست مجرد شجاعة شخصية.
قد يكون الإنسان شجاعاً ومخلصاً ومؤمناً بقضيته، لكنه مع ذلك لا يمتلك القدرة على قيادة كتيبة أو لواء، أو إدارة عملية عسكرية، أو اتخاذ قرار في لحظة حرجة.
القائد العسكري يحتاج إلى معرفة تراكمية لا تُكتسب في أسابيع قليلة، وإنما من خلال التعليم والتدريب والخبرة والممارسة والتدرج في المسؤولية.
ولهذا تؤكد المؤسسات العسكرية المهنية على أن تطوير القادة يبدأ بالتدريب الرسمي والتعليم العسكري والخبرة العملية، وأن الوصول إلى مستويات أعلى من المسؤولية يفترض نمواً متدرجاً في المعرفة والمهارات القيادية والتكتيكية.
وهنا نعود إلى ما طرحناه في المقال السابق. إذا كنا نعترض على أن يشغل العسكري وظيفة مدنية يفترض أن يتولاها خريج متخصص، فمن المنطقي أن نطرح السؤال نفسه على الجانب الآخر:
هل يجوز أن يشغل المدني وظيفة عسكرية لمجرد أنه يحمل مؤهلاً آخر، أو يمتلك نفوذاً، أو يتمتع بثقة سياسية أو دينية؟
والعدالة الوظيفية ينبغي أن تعمل في الاتجاهين. فكما أن خريج الاقتصاد لا يصبح طبيباً لمجرد أن لديه إرادة قوية، وكما أن خريج الآداب لا يصبح مهندساً لمجرد أنه يحب الهندسة، فإن الحصول على مؤهل جامعي مدني لا يحوّل صاحبه تلقائياً إلى ضابط أو قائد عسكري.
وهذا لا يعني إغلاق المؤسسة العسكرية أمام المدنيين. على العكس، يمكن للدولة أن تستفيد من أصحاب التخصصات المدنية في القوات المسلحة: الأطباء، والمهندسين، وخبراء الاتصالات، والقانونيين، والاقتصاديين، والمختصين في التقنية والمعلومات. لكن إدخال هؤلاء ينبغي أن يتم وفق مسارات واضحة للتأهيل والتخصص العسكري، لا على أساس القفز فوق السلم المهني.
والجبهة ليست مكاناً لاختبار الحماس، وإنما مكان لاختبار الكفاءة. والقناعة بالقضية مهمة، والروح المعنوية مهمة، والإيمان بالهدف يمكن أن يمنح المقاتل قدرة كبيرة على الصمود. لكن الحرب لا تُحسم بالنوايا وحدها. العقيدة تمنح المقاتل الدافع، أما التدريب فيمنحه القدرة. والجمع بين الاثنين هو الذي يصنع الجندي المحترف.
أما إرسال أشخاص إلى خطوط التماس لمجرد أنهم متحمسون أو أصحاب قناعة دينية أو سياسية، من دون المرور بالحد الأدنى من التأهيل، فهو في النهاية لا يضعف المؤسسة العسكرية وحدها، بل قد يحوّل الإنسان نفسه إلى ضحية سهلة في معركة أصبحت أكثر تعقيداً وخطورة.
وهذا هو الفارق بين جيش يقوم على الحاجة للمقابل السخي والحماس والتعبئة، وجيش يقوم على التأهيل والتدريب والمؤسسة. وبين مقاتل (يبحث عن عيشة) وربما مؤمن بالقضية، وجندي مؤهل يعرف كيف يخوض الحرب.