متابعات خاصة ( البعد الرابع) غرفة الأخبار
الفارق هنا حاسم. فالانسحاب التكتيكي قد يكون جزءاً من خطة لإعادة التموضع واستعادة المبادرة. لكن عندما تتراجع وحدات متتالية من مواقع متقدمة إلى مواقع أبعد، يصبح السؤال معقداً: أين يمكن تثبيت خط الدفاع الجديد، وهل يملك الطرف المنسحب الوقت والمساحة الكافيين لبنائه؟
في حالة الساحل الغربي، تبدو الإجابة مرتبطة بذو باب أكثر من ارتباطها بالمخا. فالقوات التي كانت تنتشر على مساحة واسعة من الساحل وجدت نفسها أمام ضرورة إعادة تجميع قوتها في منطقة أقصى جنوباً، وأكثر حساسية عسكرياً.
إعادة الانتشار جنوباً
في الحروب الطويلة، الخريطة العسكرية ليست مجرد خطوط على الأرض، بل انعكاس لقدرة كل طرف على حماية مواقعه وتأمين إمداده والتواصل بين وحداته. ولهذا فإن انتقال القوات جنوباً لا يمكن فصله عن التراجعات التي سبقته في الشمال، ولا عن طبيعة الساحل الغربي الذي يجعل أي خلل في حلقة من حلقات الدفاع ينعكس مباشرة على المواقع التي تليها.
من هذه الزاوية، تبدو إعادة الانتشار باتجاه ذو باب محاولة لتثبيت خط دفاع عند نقطة أشد حساسية. بدلاً من الدفاع عن مدن ومناطق متباعدة، يصبح التركيز على مساحة أضيق، لكنها أهم بسبب قربها من المدخل الجنوبي للبحر الأحمر.
وتزداد حدة المشهد مع الحديث عن تحركات حوثية باتجاه جزر حنيش، بالتزامن مع التقدم على الساحل. هنا لم تعد التطورات محصورة في المجال البري، وبدأت تلامس المجال البحري المحيط بالممر الاستراتيجي.
دفعت التطورات الأخيرة بالقوات الحكومية وحلفائها نحو ذو باب، الواقعة قبالة جزيرة ميون، بينما تقدمت القوات الحوثية باتجاه جزر حنيش في البحر الأحمر. وإذا صحت هذه المعطيات، فإن المعركة تكون قد تجاوزت الصراع على المدن الساحلية إلى صراع مباشر على المجال الجغرافي المحيط بباب المندب نفسه.
د
ذو باب.. عندما يتغير معنى المعركة
تكتسب ذو باب أهمية خاصة لموقعها عند المدخل الجنوبي للبحر الأحمر، في الجهة المقابلة لجزيرة ميون التي تتوسط الممر. وصول خطوط القوات إليها لا يمثل تحولاً جغرافياً فقط، بل يضع المعركة على مسافة أقرب من المضيق الذي لم يكن حاضراً بهذا الوضوح في الحسابات الميدانية السابقة.
لكن الأهمية لا تقتصر على بلدة أو موقع عسكري منفرد. فالساحل المقابل للجزر والممرات البحرية القريبة منه يشكل مجالاً واحداً مترابطاً، ويمنح الانتشار في أكثر من نقطة قدرة أكبر على المراقبة والحركة والضغط. ومن هنا جاء القلق من الحديث عن جزر حنيش بالتزامن مع التقدم البري.
ومع ذلك، يجب الفصل بين الاقتراب من باب المندب والسيطرة عليه. فالوصول إلى منطقة قريبة من المضيق لا يعني امتلاك السيطرة على الممر، كما أن القدرة على تهديد الملاحة تختلف عسكرياً وسياسياً عن القدرة على إغلاقها أو التحكم بحركتها. وهذه المسافة بين الاحتمالين هي التي ستحدد لاحقاً حجم التداعيات الإقليمية والدولية لأي تغير في ميزان القوى.
من الساحل إلى المضيق
خلال فترة قصيرة، تبدلت صورة الجبهة الغربية وجعلت المخا أقل أهمية من المسار الذي فتحه سقوطها. القوات التي كانت تنتشر شمالاً تحركت جنوباً، وبرزت ذو باب كنقطة يمكن عندها محاولة وقف التراجع، بينما أضاف الحديث عن الجزر بعداً بحرياً إلى تقدم بدأ أصلاً من جبهات برية في غرب تعز.
وبذلك، لا تبدو المخا منفصلة عن باب المندب، بل حلقة في مسار واحد: ضغط في غرب تعز، ثم فتح الطريق إلى الساحل، ثم السيطرة على نقطة ساحلية ذات قيمة استراتيجية، ثم دفع القوات المنافسة جنوباً نحو المنطقة الأقرب إلى المضيق.
لكن هذه السلسلة لا تجيب وحدها عن السؤال الأهم: ماذا يعني فعلياً أن يصل طرف في الحرب اليمنية إلى هذه المنطقة؟
فباب المندب ليس مجرد موقع على الخريطة، ولا مجرد مضيق يفصل بين ضفتي البحر الأحمر. موقعه بين المحيط الهندي والبحر الأحمر، وارتباطه بقناة السويس وحركة التجارة والطاقة العالمية، يجعله نقطة تتجاوز قيمتها حدود الصراع اليمني. والجزر المنتشرة حوله، وعلى رأسها ميون وحنيش، تمنح الجغرافيا المحيطة به وزناً عسكرياً لا يمكن قراءته بمعزل عن حركة السفن والانتشار البحري في المنطقة.
وهنا ننتقل من سؤال: من يتقدم على الأرض؟ إلى سؤال أوسع: لماذا يمكن لبضعة كيلومترات إضافية جنوباً أن تغيّر حسابات المنطقة والعالم؟
هذا هو السؤال الذي يقود إلى الجزء الثاني: باب المندب نفسه، جغرافيته وجزره وممراته وتاريخه العسكري، ولماذا تحوّل الاقتراب منه إلى ورقة استراتيجية تتجاوز قيمة أي مدينة أو جبهة في الساحل الغربي.