أخبار محلية

يحيى السواري يروي ليلة سقوط المخا: انسحاب مفاجئ.. وقائد اختفى في اللحظة الحاسمة

عدن الغد- محليات 12/09/2026 19:42 311 مشاهدة
يحيى السواري يروي ليلة سقوط المخا: انسحاب مفاجئ.. وقائد اختفى في اللحظة الحاسمة

روى المحامي والكاتب الصحفي يحيى السواري تفاصيل الساعات الأخيرة التي عاشها في مدينة المخا قبل سقوطها، في رواية قال إنها تستند إلى ما شاهده بنفسه وما سمعه من جنود وجرحى وعاملين في المستشفى، متحدثًا عن حالة من الارتباك والانسحاب المفاجئ، وعن مشاهد النزوح التي وصفها بأنها من أكثر المشاهد قسوة التي عاشها.

وقال السواري إنه في مساء الأربعاء 9 سبتمبر، وعند الساعة التاسعة، أبلغته إدارة قناة الجمهورية بضرورة التحرك فورًا إلى عدن، وبعد ساعات كان طاقم القناة بالكامل في طريقه إلى العاصمة المؤقتة، موضحًا أنه سأل عن سبب المغادرة، فأُبلغ بأن الأوضاع في الجبهة ساءت.

وأضاف أن السؤال الذي كان يشغله حينها هو ما إذا كانت معركة ستندلع داخل المخا، إلا أن الإدارة لم تكن تملك إجابة واضحة سوى «ربما»، وهو ما دفعه إلى اتخاذ قرار بالبقاء في المدينة، رغم إلحاح الإدارة وزملائه على مغادرتها.

وأوضح السواري أنه كان يعتقد أن معركة كبيرة ستندلع للدفاع عن المخا، وأنها قد تتحول إلى «ملحمة وطنية» توثق إيمان اليمنيين بقضيتهم، مشيرًا إلى أنه كان يريد البقاء لنقل الأحداث إلى العالم، مستحضرًا في ذهنه صورًا تاريخية لمعركة حصار السبعين في صنعاء ومعركة ترموبيل.

وتحدث السواري عن قائد المقاومة الوطنية العميد طارق صالح، مؤكدًا أنه كان يعتقد أن الأخير لن يغادر المخا مهما كانت الظروف، وأنه كان يثق به وبقدرته على قيادة المعركة.

وقال إنه التقى طارق صالح في الأول من سبتمبر، وكان يرتدي نظارة سوداء، مشيرًا إلى أنه كان يعلم أن النظارة تخفي آثار السهر والإرهاق، وأن أحد المقربين منه أخبره سابقًا بأن مرافقيه اضطروا إلى أخذ أجهزة الاتصال منه بالقوة لإجباره على النوم بعد أربعة أيام من السهر المتواصل ومتابعة المعارك والتواصل مع رجاله في الجبهات.

وأضاف: «لم أؤمن بقائد كما آمنت بطارق، كنت مستعدًا للموت تحت قيادته، وأجزم أن الكثير من رجاله سيفعلون، لكن القائد اختفى في اللحظة التي كان يجب أن يظهر فيها، فتحول اليقين كله إلى استغراب».

وأشار إلى أنه عند منتصف الليل خرج من مقر سكنه، فوجد الآليات العسكرية منتشرة في أنحاء المدينة، فيما كانت الشوارع الرئيسية تعج بالمقاتلين الذين يتحركون بسرعة، الأمر الذي جعله يعتقد أن القوات تستعد لمعركة حاسمة.

وبحسب روايته، قضى الساعات التالية في انتظار التواصل مع أحد العسكريين لتنسيق تغطية الأحداث، إلا أن مدير القناة محمد عايش لم يكن يملك معلومات أكثر من محاولات إقناعه بالمغادرة، خصوصًا بعد انقطاع التواصل مع عدد من القيادات العسكرية.

وقال السواري إنه عند الساعة الرابعة فجرًا اختفت المدرعات والمقاتلون من الشوارع، ثم علم أن رجال الأمن غادروا أيضًا، وأن السجناء خرجوا من إدارة الأمن، ليدرك أن التحركات العسكرية التي شاهدها خلال الليل لم تكن استعدادًا لمعركة، وإنما كانت عملية انسحاب.

وأضاف أن قرار المغادرة جاء متأخرًا، بعدما اختفت وسائل النقل القابلة للاستئجار من المدينة، وأنه حاول البحث هاتفيًا عن وسيلة توصله إلى عدن، ليجد أن أعداد المدنيين الذين يبحثون عن وسائل نقل تفوق أعداد المركبات المتاحة.

وأوضح أن مئات العروض المالية قُدمت لأصحاب المركبات مقابل نقل المدنيين إلى عدن، لكن كثيرًا منهم رفضوا المغادرة خوفًا على أسرهم وعلى الطريق.

وفي السابعة صباحًا، قال السواري إنه سمع سقوط قذائف وسط المدينة وبالقرب من المستشفى السعودي، بالتزامن مع سماع إطلاق نار في أطراف المخا، فخرج مجددًا بحثًا عن وسيلة نقل.

وروى موقفًا إنسانيًا قال إنه سيظل عالقًا في ذاكرته، عندما لمح حافلة أمام أحد المنازل، وطرق باب صاحبها طالبًا منه نقله إلى عدن مقابل أي مبلغ يطلبه.

وأوضح أن الرجل أبدى تعاطفًا معه، لكنه كان يخشى ترك أسرته وحيدة، فعرض عليه السواري اصطحاب أسرته معه، قبل أن يحاول الرجل التواصل مع أصحاب حافلات آخرين دون جدوى.

وبعد وقت قصير، وعندما اشتد إطلاق النار، عاد السواري إلى منزل الرجل نفسه، وقال إنه لم يطلب منه هذه المرة سوى أن «يخفيه»، قبل أن تتدخل زوجة الرجل، التي كانت تتابع الموقف من نافذة المنزل، وتطلب من زوجها أن يمنحه السيارة الموجودة بجوار الحافلة.

وقال السواري إن الرجل دخل إلى المنزل، ثم عاد وسلمه مفتاح السيارة، وأخذ رقم هاتفه، محذرًا إياه من أن السيارة لا تحتوي على كمية كافية من الوقود، فانطلق بها باتجاه عدن.

وتساءل السواري عن الدافع الذي جعل أسرة لا تعرفه تمنحه سيارتها، معتبرًا أن ما شاهده من تضامن السكان يعكس حجم الخوف من الحوثيين، واستعداد المدنيين لتقديم ما يملكون من أجل النجاة.

ووصف الطريق إلى عدن بأنه كان مشهدًا استثنائيًا، قائلًا إنه شاهد عشرات الآلاف من الأشخاص وآلاف المركبات والآليات العسكرية يغادرون المنطقة، فيما اضطرت أسر إلى قطع الطريق سيرًا على الأقدام، وشاهد أسرة مكونة من خمسة أشخاص على دراجة نارية.

وقال إن المشهد بدا وكأن «مدينة تسافر على الأقدام»، مضيفًا أنه كان يتساءل عن طبيعة القوة العسكرية التي دفعت كل هذه القوات إلى الانسحاب، ولماذا لم تُستخدم الآليات والمركبات في إقامة خطوط دفاع حول المدينة.

وأكد السواري أنه سأل عددًا من الجنود عن سبب الانسحاب، لكنه لم يحصل على إجابات واضحة، وقال إن كثيرًا منهم كانوا يرددون عبارة: «شاهدنا الجميع ينسحبون فانسحبنا»، في إشارة إلى غياب التواصل بين المقاتلين وقياداتهم خلال الساعات الحاسمة.

وأوضح أنه لا يقدم نفسه خبيرًا عسكريًا للحكم على جدوى خوض معركة للدفاع عن مدينة صغيرة ومكشوفة، وربما كانت لدى القادة أسباب عسكرية تجعل تسليم المدينة خيارًا أفضل، لكنه يرى أن ما حدث يستحق التقييم من زاوية التاريخ والقضية اليمنية ومصير السكان.

وقال السواري إنه لا يعرف مكان طارق صالح أو أسباب قراراته، لكنه أكد أن موقفه قد يتغير إذا عرف الأسباب الحقيقية التي دفعت إلى الانسحاب، مشيرًا إلى أنه لا يعتقد أن طارق صالح «خائن أو جبان أو غبي»، وإنما يرى أنه تردد ولم يحسم موقفه بين خيارات متعارضة.

وفي جانب آخر من روايته، تحدث السواري عن الخسائر البشرية، وقال إنه شاهد، بحسب روايته، جثث قتلى من وحدات مختلفة في ساحة المستشفى بالمخا، بينها المقاومة والعمالقة والدرع.

وأضاف أنه، وفق شهادة أحد الممرضين في المستشفى السعودي، كانت جبهات ريف تعز تستقبل خلال الأيام الأربعة التي سبقت الانهيار ما بين 30 و40 جريحًا يوميًا، كما نقل عن أحد الجرحى قوله إن الحوثيين كانوا يدفعون مقاتليهم إلى هجمات وصفها بالمميتة بهدف استنزاف مخازن الذخيرة.

وأكد السواري ضرورة تكريم الجنود الذين خاضوا تلك المعارك وعدم إهانتهم أو تحميلهم مسؤولية الانهيار، داعيًا إلى الاستفادة من خبراتهم العسكرية والميدانية وعدم الاستغناء عنهم.