يواجه المجتمع الدولي انتقادات واسعة، بسبب ازدواجية المعايير في التعامل مع التهديدات الإقليمية؛ حيث يكتفي بإدانة النظام الإيراني وفرض عقوبات عليه، بينما يتسم موقفه بالتهاون والتساهل تجاه ذراعه الفعلي في اليمن المتمثل بـمليشيا الحوثي.
يرى الكثير من المحللين أن هذا التغاضي يمنح المليشيا ضوءاً أخضر غير مباشر لمواصلة تصعيدها العسكري الرامي إلى قضم السواحل والمضائق الحيوية لتنفيذ أجندة طهران.
وتشير التطورات السياسية الأخيرة إلى أن فجوة التعاطي الدولي مع الملف اليمني لم تعد مجرد قصور دبلوماسي، بل تحولت إلى ثغرة استراتيجية تستغلها طهران بذكاء لفرض شروطها على القوى الكبرى، مستخدمة الجغرافيا اليمنية كمنصة لإرسال الرسائل الصاروخية وتهديد خطوط التجارة العالمية، في ظل غياب رؤية دولية موحدة وحاسمة لردع الوكيل الميداني.
إدانات لطهران وتقويض للشرعية على الأرض
بينما تشهد الأروقة الدولية جولات متكررة من التنديد بالسلوك الإيراني، تترجم مليشيا الحوثي هذا الصمت الدولي بالتوسع ميدانياً؛ إذ تشير التطورات الأخيرة إلى شن المليشيا هجمات مكثفة بدعم وخبرات مباشرة من الحرس الثوري الإيراني أسفرت عن السيطرة على مواقع استراتيجية مثل مدينة المخا وجزيرة بريم ومحاصرة مضيق باب المندب.
ويحذر مراقبون من الاكتفاء بإصدار البيانات المنددة بتهريب الأسلحة الإيرانية، دون اتخاذ إجراءات صارمة على الأرض لكبح جماح مليشيا الحوثي، وخلق حالة من عدم التوازن العسكري. فالمليشيا تستثمر لغة الدبلوماسية الناعمة التي تعتمدها الأمم المتحدة لإعادة ترتيب صفوفها، وحشد المقاتلين، وتطوير ترسانتها من الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة التي تصل إليها عبر منافذ بحرية لم تنل نصيبها الكافي من الرقابة الدولية الفعالة.
دبلوماسية المضائق كأداة تفاوضية لإيران
تستخدم طهران مليشيا الحوثي كوظيفة تكميلية ضمن استراتيجية الضغط متعدد الجبهات. فعندما يشتد الخناق الدولي أو العسكري على النظام الإيراني جراء العقوبات الاقتصادية أو الضغوط السياسية، يعمد إلى تحريك الجبهة اليمنية لتعطيل الملاحة الدولية في البحر الأحمر كأداة ضغط لتعزيز موقفه التفاوضي، مستغلاً عجز المجتمع الدولي عن اتخاذ إجراءات رادعة وحاسمة ضد المليشيا.
هذا الترابط العضوي يجعل من مليشيا الحوثي أداة وظيفية بامتياز؛ حيث لا تتحرك الجبهات في الساحل الغربي لليمن أو تُستهدف السفن التجارية إلا بتوقيتات تخدم الأجندة النووية أو الإقليمية لإيران. ويرى مراقبون أن واشنطن وعواصم الغرب يقعون في خطأ استراتيجي عندما يفاوضون طهران على ملفاتها الساخنة ويعزلونها عن سلوك أذرعها، مما يحول مضيق باب المندب إلى رهينة بيد المفاوض الإيراني.
المقاربة السياسية الدولية الخاطئة.. فصل الجسد عن الرأس
تعتمد القوى الكبرى مقاربة تفصل بين الإدارتين الإيرانية والحوثية تحت ذريعة أن للحوثيين دوافع محلية، وصراعات تاريخية داخل البنية اليمنية، وهو ما يمنح المليشيا فرصة للتملص من تبعات تصرفاتها الإقليمية. ويرى المسؤولون اليمنيون أن عدم ممارسة ضغط عسكري وسياسي موازٍ على الحوثيين يجعل من العقوبات المفروضة على طهران عديمة الجدوى، طالما أن المليشيا تتمدد من يوم لآخر، وشبكات تهريب السلاح والمسيّرات لا تزال تتدفق إلى السواحل اليمنية بانتظام.
إن هذا الفصل المصطنع بين الرأس في طهران والذراع في صنعاء أثبت فشله الذريع. فالمليشيا الحوثية عقائدياً وسياسياً وعسكرياً لا تملك قرار السلم والحرب بعيداً عن توجيهات الوالي الفقيه، ومحاولة تسويقها كطرف محلي يمكن صياغة سلام مستدام معه دون قطع حبل الوريد الإيراني المغذي لها هو ضرب من الوهم السياسي الذي دفع اليمنيون ثمنه سنوات من الحرب والدمار.
التكلفة الإنسانية والإقليمية للتجاهل الدولي
يتسبب استمرار التغاضي الدولي في عواقب وخيمة تتجاوز الحدود اليمنية لتلقي بظلالها على الأمن والسلم الدوليين، وتتمثل أبرز هذه العواقب، تفاقم الكارثة الإنسانية؛ حيث أدى التصعيد الحوثي الأخير في تعز والحديدة والساحل الغربي إلى موجات نزوح جديدة طالت عشرات الآلاف من العائلات في ظل عجز إنساني دولي، إذ وظفت المليشيا الحصار الاقتصادي على المدن كأداة لتركيع المدنيين وسط صمت غريب من المنظمات الحقوقية. إضافة إلى تهديد سلاسل الإمداد العالمية، حيث إن السيطرة الحوثية على الممرات المائية واستهداف السفن التجارية بالصواريخ البحرية والألغام العائمة تجبر شركات الشحن على اتخاذ مسارات بديلة مكلفة مثل رأس الرجاء الصالح، مما يرفع تكاليف التأمين والشحن ويؤدي بالتبعية إلى ارتفاع أسعار السلع عالمياً وتأثر الاقتصاد الدولي.
وكذا ابتزاز دول الجوار، حيث تستمر المليشيا في إطلاق التهديدات العدائية واستهداف المنشآت الحيوية والنفطية في دول الجوار، مستغلة رغبة الأطراف الإقليمية في تجنب التصعيد الشامل وحرصها على إنجاح مساعي السلام، لتحقيق مكاسب مالية وسياسية دون تقديم تنازلات حقيقية.
خلاصة واستشراف.. نحو استراتيجية رادعة موحدة
في المحصلة، يظهر المشهد اليمني أن سياسة الاستيعاب والمهادنة التي توخاها المجتمع الدولي مع مليشيا الحوثي لم تنتج سوى مزيد من الصلف والجرأة على تهديد مصالح العالم. إن الاستمرار في إدانة النظام الإيراني لفظياً مع غض الطرف عن ممارسات أدواته على الأرض يمثل معالجة للقشور وتركاً لجوهر الأزمة.
إن إنهاء المعاناة الإنسانية في اليمن وحماية الممرات المائية الدولية يتطلبان انتقالاً عاجلاً من مربع القلق والإدانة إلى مربع الفعل والردع.
ويشمل ذلك تصنيفاً فعلياً لمليشيا الحوثي كمنظمة إرهابية دولية بشكل موحد، ودعم الحكومة الشرعية سياسياً وعسكرياً لتمكينها من بسط سيادتها على كامل التراب اليمني، وتجفيف منابع التمويل والتهريب الإيراني بشكل حازم.
دون هذه الصحوة الدولية، ستبقى جغرافيا اليمن منصة متقدمة لطهران، يهدد منها السلم الإقليمي والدولي متى يشاء.