أخبار محلية

الجاهلية الجديدة: عندما تسقط الإنسانية قبل الوطنية..

المنتصف نت- المنتصف نت 14/09/2026 16:28 139 مشاهدة
الجاهلية الجديدة: عندما تسقط الإنسانية قبل الوطنية..

ليس ثمة ما هو أشد قسوة على الشعوب من لحظة انكسار الوعي الجمعي؛ اللحظة التي يختفي فيها "الوطن" بمفهومه المستقل الشامل، ليحل محله دكاكين أيديولوجية، وأمراء طوائف، وتبعية عمياء لا ترى في الثرى إلا مجالاً حيوياً لطموحات الخارج. 

في المشهد اليمني اليوم، تتبدى أزمة لا تقتصر على السياسة والحرب، بل تمتد لتضرب العمق الأخلاقي والنفسي، حين استوطن عقليات ونشاط بعض أبنائه مرضُ الانكفاء والتشتت، فطمس البوصلة، واستبدل راية الدولة الكبرى بجزرٍ متناثرة تسكنها الضغائن، وتسيّرها قيم الأتباع لا سادة القرار.
لقد تحول جزء من المشهد اليمني إلى نموذج صارخ للتقسيم العاطفي والفكري قبل الجغرافي.

 حين تصبح المناطقية المتطرفة، أو العقيدة المغلقة، هي المقياس الوحيد للانتماء، يسقط المنطق السيادي وتتداعى فكرة "المواطنة". السياسة الحصيفة تتطلب قراءة الواقع بلا تزييف: لا يوجد بلدٌ يستطيع النهوض فوق ركام الهويات الفرعية؛ فالتبعية لمن هم خارج الحدود—أياً كانت العناوين—لا تبني نهضة عمرانية ولا تشيد تنمية، بل تكرس مرارات الهزيمة الذاتية، وتجعل أصحابها مجرد بيادق في رقعة شطرنج ينتهي دورهم فور انتهاء جولة التفاوض.
إن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في العجز عن تجسيد القيم الوطنية الكبرى، بل في تآكل الحد الأدنى من الإنسانية. 

حين يعجز الخصوم عن الاتفاق على فكرة الوطن، فإن الفطرة البشرية تقتضي على الأقل حفظ التعايش الإنساني: صون الكرامة، وحق العيش، ورفض استباحة الآخر لمجرد اختلاف جغرافيته أو مذهبه. إن فقدان الوطنية مصيبة، لكن فقدان الإنسانية هو السقوط المطلق الذي لا قيام بعده.
يا هؤلاء، إن التاريخ لا يرحم الضعفاء الذين فرطوا في بوصلتهم، والسياسة ليست شعارات ترفع ولا اندفاعات عاطفية، بل هي قدرة على رعاية المصالح الوطنية العليا وتغليب الحكمة على نزق الجماعات.

 إن لم تستطيعوا الارتفاء إلى مستوى "الوطن الجامع" في هذه اللحظة الفاصلة، فعليكم بالعودة إلى قواعد الفطرة الأولى: تعايشوا كبشر، احترموا الدم والدماء، واعلموا أن المشاريع الضيقة مهما تضخمت بالدعم والخداع، فإنها تتلاشى أمام أول اختبار لبناء الدولة الاستراتيجية الحقيقية.