أخبار محلية

هل تفتح حرب الحوثيين لإسرائيل نافذة على السعودية؟

نافذة اليمن 17/09/2026 16:42 374 مشاهدة
هل تفتح حرب الحوثيين لإسرائيل نافذة على السعودية؟

لم تكن الحرب مع الحوثيين في اليمن مرشحة لأن تتحول إلى اختبار للعلاقات السعودية مع الولايات المتحدة فحسب، لكنها بدأت تفتح سؤالاً أوسع حول مستقبل التحالفات في المنطقة. فمع اتساع الضغط العسكري على السعودية، وتراجع حركة الحلفاء الإقليميين إلى حدود الدعم السياسي أو الدفاعي العام، تظهر إسرائيل للمرة الأولى في هذا التصعيد بوصفها طرفاً يمكن أن يقدم للرياض مساعدة أمنية واستخبارية مباشرة، وفق تسريبات تحدثت عن اتصالات بوساطة القيادة المركزية الأميركية.

ولا يعني ذلك أن السعودية تتجه إلى التطبيع، ولا أن واشنطن قررت ترك الرياض أمام الحوثيين لدفعها إلى تل أبيب. لكن تطورات الأيام الأخيرة تخلق ظرفاً يمكن أن تستخدمه الإدارة الأميركية لإعادة إدخال ملف التطبيع السعودي الإسرائيلي في أي صفقة إقليمية مقبلة، خصوصاً إذا تحولت الاحتياجات الأمنية من ظرف طارئ إلى ترتيبات طويلة الأمد.

وتكشف الحرب بالفعل عن فجوة بين حجم التهديد الذي تواجهه السعودية وبين طبيعة الدعم الذي تحصل عليه من شركائها. فتركيا وباكستان، المرتبطتان بالرياض باتفاق دفاعي ثلاثي، لم تنتقلا حتى الآن إلى مشاركة عسكرية مباشرة في الحرب اليمنية، فيما تؤكد إسلام آباد أن اتفاق مكة دفاعي وأن تفاصيل تفعيله لا تعني بالضرورة الدخول في الحرب الحالية.

أما مصر، فقد حصلت الرياض من القاهرة على دعم سياسي واضح، إذ شدد الرئيس عبدالفتاح السيسي خلال لقائه ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان على أمن السعودية وأمن الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب، لكن المواقف المعلنة لا تتضمن إعلاناً عن مشاركة مصرية عسكرية مباشرة في مواجهة الحوثيين.

وهكذا تجد السعودية نفسها أمام معادلة صعبة: تهديد يمتد من الأراضي اليمنية إلى البحر الأحمر والمنشآت النفطية، بينما يبقى الدعم الخارجي موزعاً بين المواقف السياسية والمساعدات الأمنية والاستخبارية. وفي هذه المساحة تحديداً تظهر إسرائيل.

فالتقارير التي نشرت اليوم تتحدث عن مساعدة استخبارية إسرائيلية للسعودية، عبر قناة أميركية، تركز على تحديد مواقع الحوثيين وفهم تحركاتهم ونواياهم العملياتية. وإذا صحت هذه التقارير، فإن أهميتها لا تكمن فقط في قيمة المعلومات التي يمكن أن تقدمها إسرائيل، وإنما في أنها تفتح قناة تعاون أمنية بين دولتين لا تربطهما علاقات دبلوماسية رسمية.

وتأتي هذه التطورات فيما كانت واشنطن قد جعلت التطبيع السعودي الإسرائيلي جزءاً من حساباتها الإقليمية قبل اندلاع الحرب الحالية. فقد ربط الرئيس دونالد ترامب في يوليو اتفاقاً نووياً مع السعودية بانضمام المملكة إلى اتفاقات أبراهام، وهو ما يوضح أن الإدارة الأميركية تنظر إلى العلاقة السعودية الإسرائيلية باعتبارها جزءاً من إعادة ترتيب أوسع للمنطقة.

الشرط السعودي: دولة فلسطينية قبل التطبيع، هو العقدة التي ستحدد ما إذا كان التعاون الأمني يمكن أن يتحول إلى صفقة سياسية

لكن الرياض لم تتخل عن موقفها المعلن بشأن القضية الفلسطينية. فقد نقلت تقارير في مايو عن مصدر سعودي أن المملكة لا ترى تطبيعاً مع إسرائيل من دون مسار غير قابل للعكس نحو قيام دولة فلسطينية. وهذا يعني أن أي صفقة أميركية مقبلة ستصطدم بالحاجة إلى معالجة الشرط السعودي، لا مجرد تقديم ضمانات أمنية أو صفقات تسليح.

من هنا يمكن فهم أهمية الحرب الحالية في الحسابات الأميركية. فإذا بقيت السعودية قادرة على مواجهة الحوثيين بالاعتماد على منظوماتها وشركائها التقليديين، فلن تكون هناك حاجة كبيرة إلى تحويل التعاون الإسرائيلي إلى علاقة استراتيجية. أما إذا طال الصراع وأصبحت حماية المنشآت النفطية والممرات البحرية والحدود تحتاج إلى شبكة أوسع من الاستخبارات والدفاع الجوي والإنذار المبكر، فقد تتزايد قيمة إسرائيل في المعادلة الأمنية خاصة في ظل انسحاب أميركي مثير للتساؤلات.

وهنا قد تستخدم واشنطن الحاجة الأمنية كجسر سياسي: ضمانات دفاعية للسعودية، تعاون استخباري إقليمي، ترتيبات لأمن البحر الأحمر وباب المندب، وربما في المقابل إعادة طرح التطبيع مع إسرائيل ضمن صفقة واحدة. لكن هذا يبقى احتمالاً سياسياً وليس دليلاً على وجود خطة أميركية معلنة لجر الرياض إلى التطبيع.

وتزداد صعوبة هذا المسار لأن التطبيع بالنسبة إلى السعودية ليس مجرد ملف أمني. فالمملكة ربطته بالقضية الفلسطينية، بينما تجعل الحرب الإسرائيلية في غزة والضفة أي تنازل في هذا الملف أكثر حساسية سياسياً وشعبياً. ولذلك فإن تقديم إسرائيل باعتبارها جزءاً من الحل الأمني للتهديد الحوثي لا يحل بالضرورة العقدة السياسية التي وضعتها الرياض أمام التطبيع.

في المقابل، قد تفرض الحرب نفسها على الطرفين بطريقة مختلفة. فالسعودية تحتاج إلى توسيع خياراتها الأمنية في مواجهة تهديد متعدد الاتجاهات، وإسرائيل ترى في الحوثيين جزءاً من منظومة النفوذ الإيراني التي تواجهها في المنطقة. أما واشنطن فتبحث عن صيغة تقلل تكلفة التدخل العسكري المباشر، وتجمع حلفاءها الإقليميين في شبكة أمنية أكثر تكاملاً.

وهنا تكمن المفارقة: كلما شعرت السعودية أن شركاءها التقليديين لا يقدمون لها مستوى الدعم الذي تحتاجه، ازدادت قيمة التعاون الإسرائيلي؛ وكلما ازدادت قيمة التعاون الإسرائيلي، أصبح لدى واشنطن ورقة جديدة لإعادة طرح التطبيع.

لكن المسافة بين التعاون الأمني والتطبيع السياسي لا تزال كبيرة. وقد تقبل الرياض بتبادل معلومات أو تنسيق غير مباشر في مواجهة تهديد مشترك من دون أن يعني ذلك التخلي عن شرط الدولة الفلسطينية.

لذلك فإن السؤال الذي تطرحه حرب الحوثيين ليس ما إذا كانت السعودية ستطبع مع إسرائيل، وإنما ما إذا كانت الحاجة الأمنية التي خلقتها الحرب ستعيد ترتيب شروط التفاوض. فقد تدخل الرياض أي صفقة إقليمية مقبلة وهي أكثر حاجة إلى ترتيبات أمنية، فيما تدخلها واشنطن وهي ترى في التطبيع جزءاً من بنية إقليمية تريد بناءها. وبين الحاجتين يبقى الشرط السعودي: دولة فلسطينية قبل التطبيع، هو العقدة التي ستحدد ما إذا كان التعاون الأمني يمكن أن يتحول إلى صفقة سياسية أم سيبقى في حدود الضرورة العسكرية.