في الوقت الذي تمضي فيه السلطات المتصارعة في اليمن بتصعيدها مع اشتداد المواجهات العسكرية في مناطق حيوية استراتيجية ذات كثافة سكانية عالية، يكابد اليمنيون في جميع المناطق من أجل توفير لقمة العيش، وسط تدهور وصل إلى ذروته في المعيشة وتآكل الدخل، وهو الأمر الذي أدى إلى تشكّل واقع جديد في الأسواق المشبعة بالسلع الرخيصة.
وتعيش الأسواق المحلية في اليمن على وقع تحولات حادة في سلوك المستهلك وأنماط الاستهلاك ونشاط الأسواق، إذ أكدت جمعية حماية المستهلك انتشار العشرات من السلع الغذائية والاستهلاكية الرخيصة بين مقلدة ومغشوشة ومخزنة، والأهم حسب تجار ومستهلكين لـ"العربي الجديد"، انتشار أسواق الرصيف في صنعاء ومدن يمنية أخرى، يجري فيها تداول سلع ومواد غذائية واستهلاكية ومشروبات وأجهزة إلكترونية وكهربائية، نسبة كبيرة منها غير صالحة للتداول، أو قريبة الانتهاء أو مقلدة.
ويؤكد مواطنون أن جودة السلعة لم تعد أمراً مهماً لهم بسبب الغلاء وارتفاع الأسعار وانقطاع الرواتب وتراجع الدخل، إذ يقول ماجد النقيب من سكان صنعاء لـ"العربي الجديد" إن ارتفاع الأسعار جعل الكثير من المواطنين يبحثون عن السلعة المبيعة بسعر مناسب لهم، في ظل تردي الأوضاع المعيشية ومصادر الدخل، لذا تجد الكثير يتجهون إلى أسواق الأرصفة أو البقالات والبحث عن السلعة رخيصة الثمن، بغض النظر عن صلاحيتها أو جودتها. من جانبه، يتحدث المواطن أشرف قايد عن أن مثل هذه السلع والأسواق ملاذ للفقراء ومحدودي الدخل، بينما هناك فئة أخرى قليلة من الميسورين لديهم سيولة وقوة شرائية يتجهون إلى المجمعات التجارية الكبيرة والسوبرماركت لشراء ما يحتاجونه من سلع غذائية وكمالية واستهلاكية.
وتؤكد الجمعية اليمنية لحماية المستهلك في صنعاء أن اليمن يشهد تحولات هيكلية حادة في سلوك المستهلك ونشاط الأسواق، بسبب الأزمات الاقتصادية المركبة في اليمن، نتيجة الظروف الصعبة التي تعيشها البلاد، وانكماش الدخل، واختناق السيولة النقدية، إلى جانب ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين البحري، نتيجة الحرب في المنطقة، وتأثير ذلك في ارتفاع أسعار البترول والغاز عالمياً.
ويقول رئيس الجمعية اليمنية لحماية المستهلك، فضل منصور، في تصريح لـ"العربي الجديد"، إن السلع رخيصة الثمن تحولت من مجرد خيار اقتصادي إلى ضرورة معيشية قاهرة لشرائح واسعة من المستهلكين نتيجة اتساع رقعة الفقر التي تجاوزت 80% من السكان، حيث تشهد السلع منخفضة السعر والجودة إقبالاً مرتفعاً جداً من المستهلكين، بالإضافة إلى المنتجات البديلة من العلامات المجهولة، والمواد المعاد تعبئتها، وكل ذلك انتعش في أسواق الرصيف والبسطات الشعبية والمنافذ غير الرسمية، وفق منصور.
وبحسب منصور فإن الأسواق تعاني من حالة غياب للتوازن التجاري المنظم، مما يفسح المجال لتوسع "الاقتصاد الموازي" وانتشار سلع مجهولة ومهربة مغشوشة ومقلدة. ويشرح أن استهلاك منتجات غذائية تحتوي على ملوثات ميكروبية وسموم فطرية كالحبوب المخزنة في ظروف سيئة، وأدوية مهربة أو مخزنة أو منتهية، يؤدي إلى تأثيرات سلبية في صحة المواطنين، كما يستنزف مدخرات الأسر، نتيجة عمليات إعادة شراء تلك السلع مرة أخرى ما يرفع التكلفة التراكمية، فضلاً عن تحمّل تكاليف علاج الأمراض الناتجة عن تداول أغذية ومستحضرات غير آمنة.
وحذّرت جمعية حماية المستهلك في صنعاء، في بيان سابق، من انتشار المنافسة غير المشروعة التي أثرت في التجار والمصنعين المحليين الملتزمين بالمواصفات القياسية. ويوضح منصور أن أجهزة الرقابة الرسمية، والجمعية اليمنية لحماية المستهلك، والجهات ذات العلاقة، تواجه تحديات ميدانية جسيمة ناتجة عن نقص تمويل لجان الرقابة الميدانية، وعدم توفر أي موارد مالية للقيام بالرقابة الميدانية المستمرة.
وتقتصر آليات الرقابة حالياً على بعض الحملات الميدانية من الوزارات المعنية في صنعاء، وبلاغات المستهلكين والشكاوى المباشرة للتعامل مع التجار والمكاتب والمتاجر الإلكترونية المخالفة، فيما يجري الاعتماد بدرجة كبيرة على نشر تحذيرات وتوعية دورية للمستهلكين عبر وسائل وشبكات التواصل حول السلع المقلدة أو المهربة.
وتعليقاً على فوضى الأسواق، قال الخبير المالي والمصرفي، علي التويتي، لـ"العربي الجديد"، إن انتشار مثل هذه الأسواق والسلع أمر طبيعي بالنظر إلى الوضع الاقتصادي الصعب الراهن في اليمن، بعد أن استُنزفت مدخرات المواطنين خلال السنوات الماضية، وبيعت أغلب أصولهم.
ويؤكد التويتي أن هناك تدهوراً معيشياً غير مسبوق، وانهياراً للقوة الشرائية وانقطاعاً للرواتب، موضحاً أن السوق المحلي حالياً متشبعٌ بالديون، وقد تنفجر موجة إفلاسات تعصف بتجار التجزئة، ثم تجار الجملة، والموردين، فالجميع مدينون: المواطن مدين لتاجر التجزئة، وتاجر التجزئة مدين لتاجر الجملة، وتاجر الجملة مدين للمورد، والمورد مدين للبنوك وشركات الصرافة، لذا فإن الأزمة تكبر وتتضخم باستمرار، وقد يكون لها عواقب وخيمة.