تاريخ النشر: 25.09.2026 | 07:25 GMT
يُعرف عن القتلة المتسلسلين أنهم غالبا ما يتميزون بانعدام الإحساس وبنرجسية متأصلة، ولا يشعرون بأدنى تعاطف تجاه ضحاياهم.
المُخيف أن بعضهم يمتلك قدرا مدهشا من الكاريزما والقدرة على التخفّي خلف قناع اجتماعي مقبول، وهو ما يجعل خطرهم مضاعفا. من بين هؤلاء يبرز اسم رودني ألكالا، الذي وصلت به نرجسيته ووقاحته إلى حد الظهور في برنامج مواعدة تلفزيوني شهير، بل والفوز فيه، في حين كان يخفي خلف ابتسامته الودودة سجلا من الجرائم المروعة.
تفاصيل قصة ألكالا صادمة للغاية. كان رجلا وسيما، يتمتع بكاريزما لافتة، ونجح في الظهور في برنامج تلفزيوني شهير للمواعدة والفوز فيه، وذلك في خضم سلسلة جرائمه الدموية. لم يتبين للجمهور إلا لاحقاً، في مفاجأة صاعقة، أنه أحد أخطر القتلة المتسلسلين في تاريخ الولايات المتحدة.
عُرف بعد ذلك بلقب "قاتل من برنامج المواعدة"، بعدما ارتكب جرائم قتل متتابعة طوال سبعينيات القرن الماضي. والأكثر صدمة أنه لم يكتفِ بالظهور في البرنامج، بل استطاع أن يقنع المشاركين والجمهور بأنه شخص جذاب وطبيعي، في وقت كانت فيه حياته السرية أشبه بمشهد من كابوس.
ظهر رودني ألكالا في سبتمبر عام 1978 في برنامج شهير بعنوان "لعبة المواعدة" على شبكة "إي بي سي" التلفزيونية. كانت فكرة البرنامج تقوم على قيام شابة عزباء بطرح أسئلة على ثلاثة رجال محجوبين خلف حاجز، ثم تختار واحدا منهم للخروج معه في موعد غرامي بناء على إجاباتهم.
قُدّم ألكالا بصفته "العازب رقم واحد"، ووُصف بأنه مصور فوتوغرافي ناجح يمارس القفز المظلي وركوب الدراجات النارية. بابتسامة واثقة، نال إعجاب الجمهور والمتسابقة شيريل برادشو بإجابات اتسمت بالغموض والإثارة. على سبيل المثال، حين سُئل عن أفضل وقت في اليوم، أجاب قائلا: "أفضل وقت هو الليل. في الليل". وفي النهاية وقع اختيار برادشو عليه.
مع ذلك، وبعد محادثة قصيرة خلف الكواليس مع ألكالا عقب انتهاء التصوير، تراجعت برادشو عن الموعد المتفق عليه، ووصفته لاحقا بأنه شخص "مثير للريبة والقشعريرة". يذكر مشارك آخر، وهو ممثل يدعى جيد ميلز، أن ألكالا كان شخصا "منفرا ومثيرا للريبة للغاية"، مشيرا إلى أنه شعر بنفور فوري منه. لم يكن منتجو البرنامج على علم بأن ألكالا كان تحت مراقبة مكتب التحقيقات الفيدرالي، أو أن لديه سجل جنائي سابق يتعلق بجريمة جنسية.
بحلول وقت ظهوره في البرنامج، كان ألكالا قد أصبح بالفعل قاتلا متسلسلا نشطا، وامتدت جرائمه لتشمل عدة ولايات، بما في ذلك كاليفورنيا ونيويورك. من جرائمه السابقة أنه اغتصب في عام 1968 طفلة تدعى تالي شابيرو، كانت تبلغ من العمر ثماني سنوات. شاهد أحد المارة واقعة استدراجه للطفلة وأبلغ الشرطة، لكن ألكالا تمكن من الفرار. أُلقي القبض عليه لاحقا، وقضى عقوبة بالسجن لمدة أربعة وثلاثين شهرا بتهمة الاعتداء على قاصر. بعد إطلاق سراحه، سُجن مرة أخرى لمدة عامين ونصف، وهذه المرة بتهمة إعطاء الماريغوانا لفتاة تبلغ من العمر ثلاث عشرة سنة، ثم أُطلق سراحه بشروط في عام 1977.
كان قبل أن يبحث عن مواعدة مع شابة في التلفزيون قد قتل بالفعل عدة نساء. الأدهى من ذلك أن اسمه أُدرج لاحقا ضمن قائمة مكتب التحقيقات الفيدرالي لأكثر عشرة هاربين مطلوبين للعدالة. أدين ألكالا، الذي كان يستدرج النساء من خلال عرض خدماته كمصور فوتوغرافي، بقتل عدد من النساء والفتيات في ولايتين.
اللافت أن العدالة في قضيته لم تتحقق على الفور، فقد حُكم عليه بالإعدام عدة مرات، إلا أن الأحكام أُلغيت بسبب أخطاء إجرائية. ثم حدث انفراج بفضل التطورات في علوم الأدلة الجنائية، حيث أدين في كاليفورنيا عام 2010 بقتل روبن سامسو وأربع نساء أخريات، وحكم عليه القاضي بالإعدام.
في عام 2012 سُلّم ألكالا إلى نيويورك، حيث أقر بذنبه في قتل كورنيليا كريلي وإلين هوفر. وفي عام 2013 حُكم عليه بعقوبة إضافية تتراوح بين خمسة وعشرين عاما والسجن مدى الحياة.
اعتقد المدعون والمحققون أن العدد الفعلي لضحايا ألكالا قد يكون أعلى بكثير، إذ تشير بعض التقديرات إلى أنه قد يصل إلى مئة وثلاثين شخصا. يعزز ذلك العثور بحوزته على أرشيف ضخم من الصور يضم مئات اللقطات لنساء وشابات وفتيان مراهقين، ولم تتمكن الشرطة من تحديد هوية العديد من الأشخاص الذين ظهروا في تلك الصور.
توفي رودني ألكالا، بعد سجل إجرامي طويل وظهور تلفزيوني مذهل، في الرابع والعشرين من يوليو عام 2021 عن عمر ناهز سبعة وسبعين عاما، في مستشفى سجن بكاليفورنيا. توفي لأسباب طبيعية بينما كان ينتظر تنفيذ حكم الإعدام.
تبقى قصة رودني ألكالا مثالا مخيفا على مدى الخطر الذي يمكن أن يمثله مجرم عتيد مثله، شخص يتمتع بالكاريزما، ويبدو ناجحا في الظاهر، فيما يخفي خلف قناع وديع وابتسامة ودودة ووقاحة لا حدود لها، طبيعة وحشية لا ترحم.
المصدر: RT