أخبار محلية

26 سبتمبر بعد 64 عامًا.. ثورة أسقطت الإمامة تواجه اليوم تحدي استعادة الدولة

26 سبتمبر بعد 64 عامًا.. ثورة أسقطت الإمامة تواجه اليوم تحدي استعادة الدولة

في الذكرى الرابعة والستين لثورة السادس والعشرين من سبتمبر 1962م، يستعيد اليمنيون واحدة من أهم المحطات الفاصلة في تاريخهم الحديث؛ الثورة التي أنهت الحكم الإمامي وأعلنت قيام النظام الجمهوري، وفتحت أمام المجتمع اليمني طريقًا للخروج من نظام سياسي واجتماعي اتسم بالاستبداد والعزلة والتفاوت الطبقي. وقد تحولت ذكرى 26 سبتمبر إلى مناسبة وطنية راسخة في الوجدان اليمني، يستحضر فيها اليمنيون تضحيات الأحرار الذين خاضوا معركة طويلة دفاعًا عن الجمهورية. وتشير المصادر التاريخية إلى أن الصراع الذي أعقب الثورة استمر سنوات، وتحول إلى مواجهة إقليمية، دعمت فيها مصر الجمهوريين، بينما ساندت السعودية وايران وبريطانيا واسرائيل القوى الملكية.

وانطلقت الثورة في 26 سبتمبر من تحرك عسكري قاده عدد من الضباط الأحرار، سرعان ما وجد إسنادًا شعبيًا واسعًا، لتتحول المواجهة من تحرك عسكري إلى ثورة شعبية شاركت فيها قطاعات مختلفة من المجتمع. ورفع الثوار أهدافًا تمحورت حول إقامة حكم جمهوري عادل، وإزالة الفوارق والامتيازات بين الطبقات، وبناء دولة حديثة تقوم على المواطنة والمؤسسات، وهي أهداف ارتبطت في الذاكرة اليمنية بمشروع الانتقال من الحكم الإمامي إلى الدولة الجمهورية.

ولم تكن معركة الجمهورية سهلة؛ فقد استمرت الحرب بين الجمهوريين والملكيين لسنوات، وسط تدخلات ودعم إقليمي ودولي، قبل أن تنتهي بتثبيت النظام الجمهوري. وتُظهر الدراسات التاريخية أن الحرب اليمنية في ستينيات القرن الماضي كانت جزءًا من صراع إقليمي أوسع، إذ دعمت مصر بقيادة جمال عبدالناصر الجمهوريين، فيما قدمت السعودية وإيران وبريطانيا وإسرائيل دعمًا للقوى الملكية.

وبمرور العقود، أصبحت 26 سبتمبر أكثر من مجرد ذكرى لانتصار عسكري؛ فقد ارتبطت بمسار طويل من بناء مؤسسات الدولة، وتوسيع فرص التعليم، وتحديث المجتمع، وترسيخ مفهوم الجمهورية والمواطنة. كما مثّلت الثورة، في الوعي السياسي اليمني، إحدى المحطات التي مهدت لمسار التحولات الوطنية اللاحقة، وصولًا إلى إعادة تحقيق الوحدة اليمنية عام 1990م. وبعد أكثر من ستة عقود، لا تزال هناك قوى تعمل بدعم خارجي على إثارة النقاش حول أهداف الثورة، خصوصًا في ظل عودة الصراع على شكل الدولة وطبيعة النظام السياسي.

فسيطرة مليشيا الحوثي -المدعومة من إيران لأبعاد طائفية - على صنعاء ومناطق واسعة من البلاد منذ عام 2014م أعادت إلى الواجهة أسئلة الجمهورية والدولة المركزية والمواطنة، خصوصاً في ظل مشروع الجماعة الذي يمثل العودة إلى أنماط من الحكم السلالي ذات العمق الطائفي التي أسقطتها ثورة سبتمبر. وفي المقابل، تظل الحرب الحالية متعددة الأطراف والأسباب، وقد أسهمت التدخلات الدولية والإقليمية والانقسامات الداخلية في تعقيد المشهد السياسي والعسكري اليمني.

تحدي توحيد القوى الجمهورية

وتواجه ذكرى سبتمبر اليوم تحديًا يتجاوز محاولات التشكيك في رمزية الثورة إلى واقع سياسي وعسكري جعل أهدافها موضع اختبار مباشر. فبعد سنوات من الحرب، ما تزال مليشيا الحوثي تسيطر على صنعاء وأجزاء واسعة من البلاد، بينما تعاني القوى المناهضة لها من الانقسام وتعدد مراكز القرار.

وفي هذا السياق، يبرز تحدي توحيد القوى الجمهورية والمناهضة للانقلاب حول هدف واضح يتمثل في استعادة مؤسسات الدولة وإنهاء الانقسام العسكري والسياسي، بدلًا من استمرار حالة الاستنزاف وتعدد الأجندات. وتشير تحليلات دولية إلى أن الانقسامات بين القوى المناهضة للحوثيين كانت أحد العوامل التي عقدت مسار الحرب والحل السياسي في اليمن.

ومن أبرز التحديات المطروحة كذلك، بحسب قراءات سياسية وعسكرية يمنية، ما يوصف بعدم فاعلية القرار العسكري للحكومة الشرعية ومجلس القيادة الرئاسي في مواجهة الحوثيين، إلى جانب الخلافات بين مكونات المعسكر المناهض للجماعة، وعدم الاسناد الحقيقي وصول حد التأمر على أي قوة وطنية منضبطة وتزداد خطورة هذه الإشكالية عندما تنعكس على القوى التي تقاتل ميدانيًا، بما فيها قوات المقاومة الوطنية التي كانت مرابطة في الساحل الغربي، إذ يرى منتقدون أن إضعاف أو تقييد أي قوة وطنية تواجه الحوثيين يصب في اتجاه إطالة أمد الانقلاب.

وفي المقابل، فإن توحيد القرار العسكري والسياسي يظل مرتبطًا بتوافق مكونات مجلس القيادة والقوى الداعمة له، وهي مهمة تواجه تعقيدات داخلية وإقليمية. وقد أقر رئيس مجلس القيادة، رشاد العليمي، نفسه بوجود تحديات ومشكلات داخل المجلس، مؤكدًا في تصريحات سابقة أن التوافق بين مكوناته يمثل آلية أساسية لاتخاذ القرار.

ويضع ذلك القوى الجمهورية أمام تحدٍ حاسم: الانتقال من موقع رد الفعل إلى امتلاك زمام المبادرة، عبر تنسيق الجبهات وتوحيد القرار العسكري، ومنع الحوثيين من اختيار زمان ومكان المعركة وفتح جبهات متزامنة لتخفيف الضغط عن قواتهم.

كما يبرز مطلب إعادة تفعيل مؤسسات الدولة وعودة القيادة السياسية بصورة دائمة إلى الداخل، بما يسمح بمتابعة الأوضاع العسكرية والاقتصادية والخدمية بصورة مباشرة.

وفي هذا السياق، فإن الحفاظ على مضمون 26 سبتمبر لا يرتبط بإحياء ذكراها الخطابية فقط، وإنما بقدرة القوى الجمهورية على تحويل مبادئها المعلنة - الدولة، والمواطنة، والمساواة، والقوات المسلحة - إلى مؤسسات وممارسات فعلية.

فبعد 64 عامًا من الثورة، يبقى التحدي الأساسي هو حماية ما تمثله الجمهورية في الوعي اليمني، وإنهاء الانقسام الذي أضعف مؤسسات الدولة، وتهيئة الظروف لاستعادة دولة يمنية موحدة ذات مؤسسات وطنية.