تحت سماء مدينة عدن المحرقة، حيث ترتفع درجات الحرارة وتتجاوز الحدود المألوفة طوال العام، تعيش الملايين من الأسر فصولاً متكررة من المعاناة اليومية التي تفوق وصف الكلمات. ساعتان من التيار المتردد مقابل ساعتين من الانقطاع الطويل، معادلة قاسية ومذلة تحولت إلى كابوس مزمن يطحن أرواح المواطنين ويدمر ما تبقى من أبسط مقومات العيش الكريم. عشرات المليارات من الريارات والدولارات أُحرقت على مدار سنين طويلة تحت غطاء خطط الطوارئ والصيانة الوهمية والمنح المزعومة، دون أن يلوح في الأفق أي بصيص أمل لحل حقيقي جذري. أين الدولة؟ أين الحكومة الرشيدة المزعومة؟ وأين مسؤولو وزارة الكهرباء ومحافظة عدن الذين أغرقوا المكاتب بالمبررات الواهية بينما يحترق أطفال المرضى والعجزة في بيوتهم بلا رحمة ولا ضمير؟
لقد طفح الكيل ووصل السيل الزبا، وتحولت الكهرباء في العاصمة المؤقتة من خدمة أساسية لحقوق الإنسان إلى سلعة نادرة يتاجر بها الفاسدون على حساب دماء الشعب وعذاباته اليومية، في صمت مريب ومخزي من كافة الجهات الرقابية.
أم محمد - ربة منزل وأم لأربعة أطفال
"أقسم بالله أننا أصبحنا نعيش في العصر الحجري بكل ما تحمل الكلمة من معنى؛ طعامنا يفسد في ثلاجات تحولت إلى خزائن فارغة، وأطفالي يبكون طوال الليل من شدة الحر والبعوض والمرض. نحن لا نطلب رفاهية، بل نريد حقنا الطبيعي في النور والماء، فإلى متى سنبقى وقوداً لهذا العبث والفشل الحكومي المستمر؟"
الأستاذ سالم باعوم - معلم متقاعد
"هزلت حتى بلغ الهزال كل مفاصل هذه الدولة العجوز. المليارات التي صُرفت على قطاع الكهرباء خلال السنوات الماضية كفيلة ببناء محطات عملاقة تكفي عدن والمحافظات المجاورة لسنوات طويلة. لكنها بالطبع ذهبت إلى جيوب لصوص المال العام وتجار الفساد المستفيدين من ديمومة الأزمة، بينما الموظف البسيط يعيش بلا راتب وبلا كهرباء."
المهندس فؤاد المفلحي - فني كهرباء سابق
"المشكلة ليست في غياب الحلول الفنية، فالمهندسون لدينا أطهار وأكفاء وقادرون على إعادة تشغيل المنظومة بكفاءة لو توفرت النوايا الصادقة والدعم المالي الحقيقي. الكارثة تكمن في المنظومة الإدارية الفاسدة والمحاصصة الحزبية التي تتحكم بالوزارة والمؤسسة، حيث يتم استيراد وقود رديء وتخريب المحطات عمداً لضمان استمرار عقود الطاقة المشتراة التي تجني ملايين الدولارات لجهات متنفذة."
الشاب سامر عبد الرحمن - صاحب محل تجاري
"لقد دمرت أزمة الكهرباء مصدر رزقي الوحيد؛ فكل أرباح المحل تذهب شهرياً لصالح شراء الديزل لتشغيل مولد صغير لا يكفي لتشغيل نصف الأجهزة. الحكومة تعيش في بروج عاجية مكيفة ولا تبالي بمعاناة التجار والشباب، وكل ما نراه منهم هو بيانات استنكار باردة ومؤتمرات صحفية تزيد من استفزاز مشاعرنا المجروحة."
الحاجة فاطمة صالح - مسنة تعاني من أمراض مزمنة
"كيف لي أن أتحمل هذا الحر الشديد وأنا مريضة بالضغط والسكري ولا أستطيع تشغيل جهاز التنفس أو المروحة الكهربائية؟ الموت أصبح أرحم لنا من هذه الحياة اليومية التي نعيشها في سجن عدن الكبير. حسبنا الله ونعم الوكيل في كل مسؤول جالس في كرسي الفخامة ويغض الطرف عن أنين المواطنين."
خاتمة:
يبدو أن وزارة الكهرباء والجهات الحكومية المتعاقبة قررتا تطبيق أحدث نظريات الفيزياء العبثية، وهي "توليد الطاقة من هواء الكلام وصيانات الوهم الورقية"، في إنجاز بشري فريد لم يسبقه إليه أحد. فبينما تتسابق قياداتنا الموقرة في إطلاق الوعود الرنانة ورسم الخطط الإستراتيجية العابرة للقارات من داخل غرفهم الفندقية المكيفة خارج وداخل البلاد، يبدو أنهم ينتظرون اختراع شعب عدن لآلة جبارة تعمل بالدعاء والصبر لتوليد الكهرباء ذاتياً!
مجالس متخصصة ولجان طوارئ وهيئات رقابية تلدغ من جحر الفساد ألف مرة ولا تتعلم، تفرز لنا كل صيف باقة من الأعذار المكررة التي أصبحت أشبه بنكتة سمجة تروى في مجالس القات.
هنيئاً للحكومة والوزارة هذا الإبداع الخارق في تعذيب المواطنين، وإلى الأمام دائماً في تحويل العاصمة المؤقتة إلى أكبر متحف مفتوح للظلام والتخلف في القرن الحادي والعشرين، طالما أن الكراسي مريحة والجيوب تنتفخ والمساءل الوحيد هو الشعب المغلوب على أمره الذي يبدو أنه وُلد فقط ليدفع فواتير فشلهم الذريع حتى في الأحلام!