قالت الناشطة اليمنية الحائزة على جائزة نوبل للسلام توكل كرمان إن اليمنيين، رغم القمع والصراعات والحروب، لم يتخلوا عن تطلعاتهم إلى الحرية والعدالة والمساواة وحقوق الإنسان والديمقراطية، منتقدة ما وصفته بتعامل دول غربية مع الأنظمة الاستبدادية بدلًا من دعم تطلعات الشعوب.
وأضافت كرمان، في كلمة ألقتها خلال الاحتفال بالذكرى العاشرة لمعرض «We Have A Dream – لدينا حلم» في كاتدرائية لوند بالسويد، أن اليمنيين تمكنوا خلال الثورة السلمية عام 2011 من إجبار الرئيس السابق علي عبدالله صالح على التنحي، قبل أن تنتقل البلاد إلى مرحلة سياسية جمعت مختلف الأطراف حول طاولة مؤتمر الحوار الوطني.
وقالت إن اليمن كان قد اقترب من إنجاز دستور جديد والوصول إلى مرحلة الاستفتاء، قبل أن تتعرض العملية الانتقالية لانتكاسة نتيجة ما وصفته بـ«الثورة المضادة» التي قادتها جماعة الحوثي المدعومة من إيران.
وانتقدت كرمان موقف المجتمع الدولي والدول الغربية من التطورات التي أعقبت ثورات الربيع العربي، معتبرة أن القوى الغربية خافت من التحولات الديمقراطية واختارت في حالات عدة التعامل مع الأنظمة الاستبدادية بدلًا من الوقوف بصورة واضحة مع تطلعات الشعوب.
وقالت إن نتائج هذه السياسات لا تقتصر على شعوب المنطقة، بل تمتد آثارها إلى الأمن والسلم الدوليين، مشيرة في هذا السياق إلى التوترات المرتبطة بمضيقي هرمز وباب المندب.
وأكدت أن شعوب المنطقة لم تتخلَّ عن قيم الحرية والديمقراطية، معتبرة أن المشكلة تكمن في تخلي حكومات ديمقراطية غربية عن بعض القيم التي تعلن الدفاع عنها عندما تتعارض هذه القيم مع حساباتها السياسية ومصالحها.
وأوضحت كرمان أنها لا تطالب الدول الغربية بالتدخل العسكري في دول المنطقة، وإنما باتخاذ موقف مختلف تجاه الأنظمة الاستبدادية والجماعات المسلحة.
وقالت: «نحن لا نطلب من الدول الغربية أو غيرها التدخل عسكريًا في بلداننا»، مشددة بدلًا من ذلك على ضرورة وقف منح الشرعية للديكتاتوريين والميليشيات، وربط أي اتفاقات سياسية بتنفيذ حقيقي لالتزاماتها.
واستشهدت كرمان باتفاق ستوكهولم بشأن اليمن، معتبرة أنه ساعد في مرحلة معينة على وقف التصعيد وإيجاد تهدئة، لكنها انتقدت عدم استكمال تنفيذ بنوده.
وقالت إن الاتفاقات لا ينبغي أن تتحول إلى وسيلة لمنح الأطراف المسلحة شرعية سياسية من دون إلزامها بالتنفيذ.
وتطرقت كرمان إلى تجربة اليمن باعتبارها مثالًا على إمكانية استخدام النضال السلمي لإحداث تحول سياسي، مشيرة إلى أن الاحتجاجات السلمية عام 2011 شكلت، بحسب قولها، أحد أهم أدوات التغيير التي استخدمتها حركات الربيع العربي.
وقالت إن إيمانها باللاعنف لم يتغير رغم الحروب والصراعات التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الماضية.
وأضافت: «إيماني باللاعنف أهم من أي شيء آخر، وأعتقد أنني سأظل أؤمن بذلك حتى الموت».
وأوضحت أن اللاعنف بالنسبة إليها ليس مجرد نظرية أو فكرة أخلاقية، وإنما تجربة عملية عاشتها خلال الثورة اليمنية، مشيرة إلى أن الاحتجاجات السلمية نجحت في إحداث تحول سياسي وإجبار الرئيس السابق على التنحي.
وفي الوقت نفسه، فرّقت كرمان بين تبني اللاعنف كخيار أساسي وبين إدانة من اضطروا للدفاع عن أنفسهم في مواجهة القتل والقمع الواسع، مستشهدة بما حدث في سوريا في عهد بشار الأسد.
وأكدت أن اللاعنف يجب أن يظل الخيار الأول في حركات التغيير، وأن بناء الدول بعد الثورات يحتاج إلى ثقافة سياسية تقوم على السلم والمشاركة بدلًا من الانتقام والعنف.
وقالت كرمان إن مرور عشر سنوات على انطلاق معرض «We Have A Dream» لم يقلل من الحاجة إلى الحلم، بل جعلها أكثر إلحاحًا في عالم يواجه الحروب والاستبداد والاستقطاب والكراهية والعنصرية والتغير المناخي والظلم الاجتماعي والاقتصادي.
وقالت إن الحلم الذي ينبغي للبشرية أن تتمسك به هو «حلم بالكرامة للجميع، وحلم بالحرية للجميع، وحلم بالعدالة للجميع»، مشددة على أن الأحلام التي تقوم على الكرامة والحرية والمساواة وسيادة القانون ليست ترفًا، بل هي ما يمنح الحياة غايتها ومعناها.
وشددت على أن تحقيق الأحلام يحتاج إلى الشجاعة باعتبارها أداة للدفاع عنها، وإلى التعاطف حتى لا تتحول الأحلام إلى امتياز لفرد أو أسرة أو جماعة على حساب الآخرين.
وأكدت أن الشعوب التي ناضلت وضحّت من أجل الحرية والعدالة والمساواة والديمقراطية لم تفعل ذلك من أجل مصالح فردية، معتبرة أن شعوب الربيع العربي قدمت نموذجًا على ذلك حين خرجت مطالبة بحقوقها وحرياتها.
وقالت إن الأمل ليس موقفًا سلبيًا أو مجرد انتظار لمستقبل أفضل، بل هو في حد ذاته شكل من أشكال المقاومة، قائلة: «الأمل هو أهم فعل من أفعال المقاومة».
ودعت إلى الاستمرار في إزعاج الأنظمة المستبدة بالمطالبة بالحرية والعدالة والديمقراطية، مضيفة: «كونوا كابوسًا للطغاة».
وفي جانب آخر من كلمتها، تناولت كرمان الاحتجاجات والنضال السياسي في إيران، وقالت إن الشعب الإيراني قدم تضحيات كبيرة في نضاله السلمي من أجل العدالة والحرية وحقوق الإنسان.
وانتقدت ما اعتبرته تقاعسًا دوليًا عن دعم تطلعات الإيرانيين في مواجهة النظام الثيوقراطي، كما انتقدت التدخلات والحرب التي قالت إنها أضعفت فرص الحركة الشعبية السلمية وأعطت النظام فرصة جديدة لإحكام قبضته.
ورفضت كرمان اختزال صراعات المنطقة في الانقسام المذهبي بين السنة والشيعة، مستشهدة بعلاقتها مع الإيرانية الحائزة على جائزة نوبل للسلام شيرين عبادي.
وقالت إن عبادي مسلمة شيعية وهي مسلمة سنية، لكنهما تخوضان المعركة نفسها ضد الاستبداد، مضيفة أن التوصيف الصحيح لما يجري ليس «صراعًا بين السنة والشيعة»، وإنما صراع الشعوب من أجل الحرية في مواجهة الأنظمة الاستبدادية.
وأكدت أن دقة توصيف الصراعات مسألة أساسية، لأن تحويلها إلى نزاعات مذهبية يحجب جوهر المطالب المتعلقة بالديمقراطية وحقوق الإنسان والمواطنة.
كما أعلنت كرمان تضامنها مع الشعب الأوكراني، مخاطبة المشاركين الأوكرانيين في الفعالية بالقول: «حريتكم هي حريتنا».
وربطت بين الحرب في أوكرانيا وما وصفته بسنوات من ضعف المحاسبة الدولية تجاه سياسات الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ولا سيما في سوريا، معتبرة أن غياب المساءلة شجّع على مزيد من استخدام القوة.
وتناولت القضية الفلسطينية في سياق حديثها عن النظام الدولي والديمقراطية، معتبرة أن أحد أكبر التحديات التي تواجه النظام العالمي يتمثل في ازدواجية المعايير.
وقالت إن فلسطين تمثل مثالًا واضحًا، من وجهة نظرها، على الفجوة بين القيم التي تعلنها الدول الديمقراطية وبين ممارساتها وسياساتها الخارجية.
وربطت كرمان بين مستقبل الديمقراطية داخل الدول الغربية وطريقة تعامل حكوماتها مع حقوق الإنسان خارج حدودها، معتبرة أن الديمقراطية لا يمكن أن تبقى قوية في الداخل إذا جرى التخلي عن قيم العدالة والمساءلة في السياسة الخارجية.
وفي رسالة مباشرة إلى الجمهور الأوروبي والسويدي، قالت كرمان إن الدفاع عن الديمقراطية لم يعد قضية تخص الشعوب التي تعيش تحت الأنظمة الاستبدادية وحدها، بل أصبح تحديًا تواجهه المجتمعات الديمقراطية نفسها.
وقالت للأوروبيين إن «ديمقراطيتكم على المحك»، داعية المواطنين إلى رفع أصواتهم ومساءلة حكوماتهم عن سياساتها وتحالفاتها الخارجية، خصوصًا عندما تتعامل مع أنظمة استبدادية أو توفر ملاذات لأموال مرتبطة بها.
كما دعت المجتمع السويدي إلى حماية تجربته الديمقراطية، والتمسك بالتعايش والتعددية، وعدم السماح للأصوات الداخلية أو التدخلات الخارجية بإثارة الانقسام والكراهية.
وحذرت من أن الاستقطاب والعنصرية والكراهية يمكن أن تقوض المجتمعات الديمقراطية من الداخل، مؤكدة أن حماية الديمقراطية مسؤولية يومية وليست إنجازًا دائمًا يمكن الاطمئنان إليه.
وعبرت كرمان عن اعتزازها بالمشاركة في الذكرى العاشرة لمعرض «We Have A Dream»، مستذكرة عددًا من الشخصيات التي ارتبطت بالمشروع ورسائله، ومن بينها الدالاي لاما وشيرين عبادي ووزيرة الخارجية السويدية الراحلة آنا ليند.
وقالت إن المناسبة تمثل أيضًا تحية لكل امرأة ورجل يناضلون من أجل العدالة والسلام والمساواة والديمقراطية.
واعتبرت كاتدرائية لوند، بما تمثله من تاريخ طويل، مكانًا رمزيًا مناسبًا لإطلاق رسالة تدعو إلى مقاومة الحروب والكراهية والتمسك بالقيم الإنسانية.
واختتمت كرمان كلمتها بالتأكيد أن العالم، رغم الحروب وتصاعد الاستبداد والأزمات، لا يزال قادرًا على التغيير إذا التقت حركات الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان في تضامن عالمي حقيقي.
وأكدت أن معركة الحرية ليست يمنية أو إيرانية أو أوكرانية أو فلسطينية أو أوروبية، وإنما معركة إنسانية مشتركة، وأن الشعوب التي تحلم بالحرية في مختلف أنحاء العالم تحتاج إلى الوقوف مع بعضها البعض.
وقالت إن أفضل طريق لمواجهة أزمات العالم هو أن يكون التضامن «حقيقيًا وصادقًا ومباشرًا»، وأن تقترن الأحلام بالشجاعة والتعاطف والعمل.
ووجهت في ختام حديثها رسالة إلى الحاضرين والشعوب المدافعة عن الديمقراطية قائلة: «واصلوا الدفاع عن قيمكم بالشجاعة والأمل. الأمل هو أهم فعل من أفعال المقاومة... كونوا مصدر إزعاج للديكتاتوريين، وكونوا كابوسًا للطغاة».