شكلت "الكدحة" مفتاح خطة الحرس الثوري الإيراني لاختراق وإسقاط مناطق الساحل الغربي بغية السيطرة الكاملة والعملياتية على مضيق باب المندب. وأمام ذلك يفرض السؤال نفسه على كل نقاش: كيف حصل الاختراق وهل وضعت المقاومة الوطنية ترتيباتها الكافية لتأمين هذا القطاع الذي تفوق أهميته كل قطاعات جبهات الساحل الغربي بمحاورها الثلاثة (البرح وسقم والحديدة)، وكذلك الجزُر المحررة المطلة على حركة الملاحة الدولية في البحر الأحمر؟!
منذ مطلع العام 2022، تصدّر قطاع الكدحة في محور البرح اهتمامات قيادة المقاومة الوطنية وعلى رأسهم قائدها الفريق أول ركن طارق صالح، الذي شدد على ضرورة التنسيق مع قيادة محور تعز ومحاولات الاتفاق مع قيادة المحور لسد ما تراه المقاومة الوطنية ثغرات قاتلة لا تهدد قطاع الكدحة ومحور البرح وحسب، بل جبهات الساحل الغربي بشكل عام.
وهنا السؤال مرة أخرى: كيف ولماذا حصل الاختراق، وما الذي أجرته المقاومة الوطنية من ترتيبات مسبقة لتأمين قطاع الكدحة؟!
منذ مطلع العام 2022، بذلت المقاومة الوطنية جهودًا كبيرة في محور البرح- غربي تعز- وتحديدًا قطاع الكدحة، الذي توغلت فيه بعدة عمليات هجومية وصولًا إلى أمام جبال غباري، وقدمت في سبيل ذلك تضحيات جسام من خيرة رجالها أتذكر منهم أركان حرب اللواء الثالث حراس الجمهورية آنذاك العقيد طيار شهاب محمود عبدالوهاب، الذي ارتقى جراء استهدافه بصاروخ باليستي.
وضعت المقاومة الوطنية ترتيباتها وتحصيناتها الدفاعية بشكل جيد في كامل مسرح عملياتها في هذا القطاع، إلا أن الترتيبات تظل ناقصة وتظل الجبهة مهددة ليس في قطاع الكدحة أو محور البرح فقط، ولكن في جبهة الساحل الغربي عامة مالم يتم سد الفراغ القاتل الحاصل بين مسرح عمليات المقاومة الوطنية ومسرح عمليات محور تعز.
في زيارة وزير الدفاع الأسبق الفريق الركن محمد المقدشي إلى الساحل الغربي، التقى بقيادة محور البرح، وكنت حاضرًا اللقاء، واستمع إلى إيجاز مفصل عن انتشار المقاومة وتحصيناتها على امتداد المحور، ووضعت قيادة المحور دوائر حمراء على المناطق التي تعد ثغرات قاتلة وتشكل تهديدًا خطيرًا على جبهات الساحل الغربي عامة وتشمل تلك المناطق جبال وتباب تتمركز فيها قوات غير كافية من محور تعز، وكذلك السلسلة الجبلية جنوب الكدحة، التي تطل على الوازعية وتقع في إطار مسرح عمليات محور تعز ولم تتمركز فيها أي قوة.
في ختام اللقاء، قدمت قيادة محور البرح للوزير المقدشي توصيات تضمنت ضرورة الترتيب والتنسيق اللازم بين محوري البرح وتعز لسد الثغرات وضرورة تمركز قوة كافية في الجبال والتباب جنوب الكدحة المطلة على الوازعية، وعلى ما أتذكر أنه وعدهم بتحقيق ذلك، ولم يتم شيئًا!
وفي زيارة وزير الدفاع السابق الفريق الركن محمد الداعري، إلى الساحل الغربي، التقى بقيادة محور البرح، وكنت حاضرًا اللقاء، الذي جرى فيه نفس ما جرى مع سلفه المقدشي ووضعت قيادة المحور ذوات الدوائر الحمراء على ذات المناطق وقدمت له ذات التوصيات بضرورة وجود قوة كبيرة من محور تعز في تلك المناطق التي تُعد ضمن مسرح عملياته وملء الفراغ في الجبال والتباب جنوب الكدحة المطلة على الوازعية، سواء بقوات من محور تعز أو السماح للمقاومة الوطنية بملء الفراغ، إلا أن شيئًا من ذلك لم يتحقق.
توالت اللقاءات بين قيادتي محوري تعز والبرح، وتشرفت بحضور لقاءين منها، ووضعت قيادة محور تعز خارطة تفصيلية عن مسرح عمليات المحورين ومواقع العدو، وبدورها وضعت قيادة محور البرح، وبحضور رئيس عمليات المقاومة الوطنية حينها اللواء عبدالرحمن نعمان السامعي، ذات الدوائر التي وضعتها أمام وزيري الدفاع المقدشي والداعري، وحددت خيارين؛ إما أن يتم نشر قوة إضافية من محور تعز في المناطق التي يتمركز فيها بقوات غير كافية وكذلك نشر لواءين من محور تعز في الجبال والتباب المطلة على الوازعية، أو السماح للمقاومة الوطنية بالقيام بذلك؛ كون تلك المناطق في نطاق مسرح عمليات محور تعز.
استمرت اللقاءات وتشكلت ما يمكن تسميتها عمليات مشتركة وطلبت قيادة محور تعز مهلة للنقاش، إلا أن الرد جاء بعد ذلك مخيبًا لآمال المقاومة الوطنية حيث لم يتم نشر قوة إضافية من محور تعز في مواقعه التي تشكل خطرًا على المقاومة في قطاع الكدحة، وكذلك لم يتم نشر قوة في الجبال والتباب المطلة على الوازعية، ولم يتم السماح للمقاومة الوطنية القيام بذلك؛ بل تعرضت المقاومة الوطنية حينها لحملة إعلامية مغرضة شارك فيها حتى برلمانيين من الإخوان وكتب أحدهم: "جمهورية طارق صالح في المخا تريد ابتلاع تعز"!
ما الذي حدث بعد ذلك؟! ما إن بدأ الهجوم من قِبل أدوات الحرس الثوري الإيراني بكثافة نارية باليستية ومسيّرات انتحارية على مقرات المقاومة الوطنية- مطلع أغسطس الماضي- واحتدام المواجهات بعد ذلك على امتداد جبهات الساحل الغربي في المحاور الثلاثة: البرح وسقم والحديدة (140 كيلو مترًا) حتى كانت الضربة الأولى؛ سيطرت المليشيا على مواقع القوة الصديقة (محور تعز) في الكدحة وهي تلك الدوائر الحمراء التي ظلت المقاومة الوطنية تضعها على طاولة قيادة وزارة الدفاع وكذلك قيادة محور تعز.
سيطرة المليشيا على مواقع القوة الصديقة أتاح لها الضغط على المقاومة الوطنية من جهة الميمنة، وفي الوقت الذي ظلت المقاومة تخوض أعتى المعارك واشتباكات من مسافة صفر في كامل مسرح عملياتها في قطاع الكدحة ومحور البرح بشكل عام، وكذلك في محورَي سقم والحديدة، وجدت نفسها مكشوفة من ميمنة قطاعها في الكدحة، وكلما دفعت بقوات إضافية ونجحت في سد الثغرة توسعت المليشيا في الميمنة مستغلة الفراغ في مواقع محور تعز وصولًا إلى الشعاب والتباب والجبال المطلة على الوازعية، التي ظلت المقاومة الوطنية تضعها دوائر حمراء على طاولة قيادة وزارة الدفاع وكذلك قيادة محور تعز وظل الرفض سيد الموقف؛ لا قام محور تعز بنشر قوات فيها، ولا سمحوا للمقاومة الوطنية بنشر لواءين لتأمين قطاع الكدحة والبرح بشكل عام.
أضف إلى ذلك أن مليشيا الحوثي ما إن توغلت في المنطقة الجغرافية الفارغة والمطلة على الوازعية حتى اشتغلت الخلايا النائمة في ريف الوازعية؛ وهي الخلايا التابعة للمدعو أحمد سالم حيدر، الذي شنت أطراف محسوبة على الشرعية حملات إعلامية مناصرة له ومحرضة على قطاع أمن الساحل الغربي والمقاومة الوطنية والزعم بأن الحملة الأمنية اعتداءات وانتهاكات ضد أبناء الوازعية.
قدّمت المقاومة الوطنية في معركة الساحل الغربي تضحيات جسامًا، وكان للكدحة والبرح- بشكل عام- النصيب الأكبر من تلك الدماء الطاهرة- مئات الشهداء وآلاف الجرحى من خيرة رجالها- من مختلف المحافظات وعلى رأس الشهداء ابن محافظة صنعاء قائد اللواء 34 مشاة العميد محمد مقصع، الذي عُرف عنه مقولته الدائمة: "أنا من المخا وبلادي المخا، لست من صنعاء ولا من سنحان، سأقاتل عن بلادي المخا حتى النصر أو الشهادة".
ورحم الله الشهداء: قائد اللواء 54 مشاة العميد علي عبدالله ناجي أبو هدال، والعقيد قائد غوبر- رئيس عمليات اللواء 52 مشاة، والنقيب قابوس المقدم- عمليات كتيبة في ذات اللواء، والقائمة تطول؛ ضباط وصف ضباط وأفراد سطروا ملاحم وأساطير بطولية في معارك الكدحة والبرح ورووا بدمائهم الزكية جبالها وشعابها.. والشفاء العاجل للجرحى، على رأسهم قائد الفرقة الخامسة مقاومة وطنية العميد الركن عدي العماد، والعميد محجن المحجاني- قائد اللواء 52 مشاة، ونائب عمليات اللواء المقدم مجاهد الدلالي.
*مدير الإعلام العسكري للمقاومة الوطنية