تتجه الأنظار في التصعيد العسكري المتواصل باليمن إلى صنعاء وصعدة
، بعد أن أصبحت المحافظتان محوراً رئيسياً للهجمات التي تنفذها القوات الحكومية ضد ميليشيا الحوثي خلال الأيام الأخيرة، بالتزامن مع دخول التصعيد شهره الرابع واتساع رقعة المواجهات في عدد من الجبهات.
وشهدت المحافظتان خلال الساعات الماضية موجتين جديدتين من الهجمات، قالت القوات الحكومية إنها استهدفت مواقع ومنشآت ذات أهمية عسكرية للحوثيين، في وقت يطرح فيه هذا التركيز تساؤلات حول طبيعة الأهداف
العسكرية للضربات، وما إذا كانت تمثل تمهيداً لمرحلة جديدة قد تتوسع فيها العمليات.
ويتزامن ذلك مع استمرار محاولات الحوثيين تثبيت مواقعهم ومكاسبهم في الساحل الغربي وباب المندب، إلى جانب تحركات باتجاه مناطق ومرتفعات جديدة في تعز ولحج، بينما تنشط القوات الحكومية على جبهات مأرب والبيضاء والجوف.
وتحظى صنعاء بثقل خاص في الحسابات العسكرية، باعتبارها العاصمة السياسية ومركز مؤسسات الدولة، فضلاً عن خضوعها لسيطرة الحوثيين منذ سبتمبر وكانت استعادة العاصمة طوال سنوات الحرب هدفاً رئيسياً للقوات الحكومية، التي تمكنت في وقت سابق من الوصول إلى مشارفها عبر جبهة نهم شرقي صنعاء، قبل أن تتراجع مطلع عام 2020 عقب معارك عنيفة.
ومع عودة التصعيد، خرجت صنعاء مجدداً إلى واجهة المشهد، خصوصاً بعد تصاعد المعارك البرية في الساحل الغربي وباب المندب خلال سبتمبر، بالتزامن مع تحركات عسكرية في مأرب والبيضاء والجوف، وهي مناطق ترتبط جغرافياً بمحيط العاصمة، الأمر الذي عزز التكهنات بشأن إمكانية دخول صنعاء ضمن الأهداف الرئيسية للعمليات القادمة.
وكان مستشار وزير الدفاع اللواء الركن سمير الصبري قد أعلن في السابع من سبتمبر اتخاذ قرار بتحرير صنعاء، متحدثاً عن «مفاجأة» دون الكشف عن تفاصيلها، فيما أكد رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي لاحقاً أن الحكومة تستهدف استعادة مؤسسات الدولة وبسط سيادتها على كامل الأراضي اليمنية وصولاً إلى صنعاء.
وبدأت مؤشرات التصعيد تظهر في العاصمة في وقت سابق، إذ تحد
ثت وسائل إعلام في 18 سبتمبر عن انفجارات تزامنت مع تحليق طائرات مسيرة، بينما اتهم الحوثيون السعودية بالوقوف وراءها، دون إعلان القوات الحكومية حينها مسؤوليتها عن تلك الضربات.
إلا أن المعطيات تغيرت مطلع أكتوبر، حين أعلن المتحدث باسم القوات المسلحة اليمنية العقيد الركن ماجد النزيلي استهداف مواقع في صنعاء وصعدة وصفها بأنها ذات «قيمة عالية». ومنذ ذلك الحين، تتابعت الضربات على المحافظتين، باستخدام الطيران الحربي والطائرات المسيّرة والمدفعية والصواريخ والراجمات، وفق ما أعلنته القوات الحكومية.
وبالتزامن مع إحدى موجات القصف على صنعاء، أعلنت القوات الحكومية أيضاً اعتراض وإسقاط طائرات مسيرة انتحارية حوثية في أجواء العاصمة المؤقتة عدن، قبل وصولها إلى أهدافها.
ولا تقتصر أهمية التصعيد على صنعاء، إذ أصبحت صعدة بدورها في صلب العمليات الأخيرة، لما تمثله من أهمية سياسية وعسكرية للحوثيين، فضلاً عن موقعها الحدودي مع السعودية. وتشير المعطيات الواردة إلى استمرار استهداف مواقع الجماعة في المحافظة منذ عدة أيام، فيما تحدثت بيانات حوثية عن غارات جوية وقصف صاروخي طال عدداً من مديريات صعدة.
وتسيطر ميليشيا الحوثي على معظم المحافظة، بينما تتمركز القوات الحكومية في مناطق بمحاذاة الحدود السعودية، وهو ما يجعل صعدة إحدى ساحات التصعيد المحتملة خلال الفترة المقبلة.
وفي تفسيره لأهداف تكثيف الضربات، يرى الباحث في الشؤون العسكرية والاستراتيجية الدكتور علي الذهب أن الهجمات تستهدف مواقع تتمتع بأهمية عسكرية وأمنية واستخبارية وسياسية، لكنه يربط القيمة الاستراتيجية لهذه الضربات بمدى القدرة على استثمار نتائجها ميدانياً وترجمتها إلى تغير فعلي في خريطة السيطرة على الأرض.
ويصف الذهب صعدة بأنها تجاوزت، في تقديره، كونها مجرد معقل تقليدي للحوثيين، لتصبح بمثابة «عاصمة ظل» تضم مراكز سياسية وعسكرية وأمنية واستخبارية مهمة للجماعة.
وبحسب تحليله، فإن تكثيف الضربات على صنعاء وصعدة قد يرتبط بمسارين رئيسيين؛ أولهما التمهيد لتوسيع نطاق العمليات العسكرية، والثاني إضعاف قدرة الحوثيين على نقل التعزيزات والإمدادات إلى جبهات القتال، خصوصاً في ظل تصاعد المواجهات في تعز ومأرب ودفع الجماعة بتعزيزات بشرية وعسكرية إلى عدد من المحاور بهدف تحقيق مكاسب ميدانية جديدة.
وأشار الذهب إلى أن قائمة الأهداف في صنعاء وصعدة وعمران تتجدد باستمرار اعتماداً على عمليات الاستطلاع الجوي التي تنفذها الطائرات المسيّرة، إلى جانب المعلومات التي تصل من المصادر الميدانية.
وفي ضوء ذلك، تبدو الضربات المتصاعدة على صنعاء وصعدة جزءاً من مشهد عسكري أوسع تتقاطع فيه العمليات الجوية مع التحركات والمعارك البرية على عدة جبهات، فيما يبقى السؤال المطروح هو ما إذا كانت هذه الهجمات ستظل محصورة في إطار استنزاف وإضعاف القدرات العسكرية للحوثيين، أم أنها ستشكل مقدمة لتحركات برية أوسع خلال المرحلة المقبلة.