تقرير | تحول الساحل الغربي إلى واحدة من أهم مفاتيح المرحلة العسكرية الجديدة في اليمن. فبعد أسابيع من التقدم الحوثي على امتداد الساحل ووصول الجماعة إلى مناطق قريبة من باب المندب، انتقلت القوات الحكومية إلى الهجوم، معلنة استعادة مديرية ذباب ومواقع استراتيجية مطلة على المضيق، ضمن عملية عسكرية واسعة انطلقت الأحد 5 أكتوبر، بهدف استعادة المناطق التي سيطر عليها الحوثيون.
وبقدر ما تبدو السيطرة على باب المندب وذباب هدفاً عاجلاً بحد ذاته، فإن السؤال الأهم هو: هل تريد القوات الحكومية تأمين الساحل فقط، أم أن هذه العملية تمثل الخطوة الأولى لفتح الطريق باتجاه مدينة الحديدة؟
باب المندب.. نقطة البداية لا نهاية المعركة
الهجوم على ذباب لم يأتِ من فراغ، فخلال سبتمبر تمكن الحوثيون من تحقيق اختراقات مهمة على الساحل الغربي، شملت السيطرة على المخا والاقتراب من باب المندب، في تطور منح الجماعة ثقلاً استراتيجياً كبيراً على أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
وكانت السيطرة على المخا ومناطق ساحلية وجزر قريبة من المضيق قد أثارت مخاوف من تحول باب المندب إلى ورقة ضغط إقليمية ودولية بيد الحوثيين.
لذلك فإن استعادة ذباب وباب المندب تحمل معنى يتجاوز استرداد مساحة جغرافية محدودة، فهي محاولة لإعادة تثبيت الخط الدفاعي حول المضيق، وقطع الطريق أمام تحويل الساحل الغربي إلى منصة عسكرية وسياسية للحوثيين.
وتقول مصادر عسكرية إن القوات الحكومية، مدعومة بغطاء جوي سعودي، نفذت هجوماً واسعاً واستعادت أجزاء واسعة من مديرية ذباب ومواقع مطلة على باب المندب، فيما تحدثت مصادر أخرى عن تقدم باتجاه معسكر العمري وقطع الطريق بين ذباب والمخا.
لكن السيطرة على ذباب لا تحسم المعركة الساحلية. فالمخا تظل العقدة الأهم بين باب المندب والحديدة. وهنا يمكن قراءة التحرك العسكري الحالي باعتباره محاولة لإعادة تشكيل خطوط الجبهة قبل الانتقال إلى مرحلة أكثر صعوبة. فإذا تمكنت القوات الحكومية من تثبيت مواقعها في ذباب وتأمين باب المندب، فإن الخطوة التالية المنطقية ستكون الضغط شمالاً لاستعادة المخا ومحيطها، ثم إعادة فتح المحاور المؤدية إلى الحديدة.
وهذا المسار لا يعني بالضرورة أن الحديدة ستكون الهدف المباشر التالي، لكنه يفتح المجال أمام عزل القوات الحوثية الموجودة على الساحل، وقطع خطوط الإمداد والحركة بين مناطق الساحل الغربي والداخل.
فالحديدة ليست مجرد مدينة ساحلية، بل مركز ثقل عسكري واقتصادي للحوثيين، والسيطرة عليها ستغير طبيعة الصراع بصورة كبيرة.
لماذا الحديدة مهمة؟
تمثل الحديدة بالنسبة للحوثيين منفذاً بحرياً رئيسياً ومركزاً استراتيجياً على البحر الأحمر، كما أن امتداد الساحل شمالاً يمنح من يسيطر عليه قدرة أكبر على التحكم بخطوط الحركة البحرية والبرية. ولهذا فإن أي تقدم حكومي من باب المندب باتجاه الحديدة سيضع الحوثيين أمام معضلة عسكرية: الدفاع عن العمق الساحلي أو إعادة توزيع قواتهم لحماية خطوط الداخل.
وتزداد أهمية هذه المعادلة في ظل إعلان القوات الحكومية أنها تخوض الهجوم من عدة جبهات، وليس من الساحل وحده، في وقت تشهد فيه تعز ومأرب ومحاور أخرى تحركات عسكرية متزامنة.
اللافت في الهجوم الجديد أن أهميته لا تتوقف عند الخرائط العسكرية. فالمعركة على باب المندب تحمل بعداً إقليمياً مباشراً، نظراً لموقع المضيق على خطوط التجارة الدولية.
وكان تقدم الحوثيين باتجاه المضيق خلال سبتمبر قد أثار تحذيرات واسعة بشأن أمن الملاحة، فيما اعتبرت تحليلات أن السيطرة على هذه المنطقة تمنح الجماعة ورقة ضغط تتجاوز حدود اليمن.
ولهذا جاء التحرك الحكومي مصحوباً بدعم جوي سعودي مكثف. وأعلنت قيادة التحالف مشاركة نحو 100 طائرة مقاتلة في العملية وتدمير مئات الأهداف، وفق الرواية السعودية، في مؤشر على أن المعركة الحالية لا تُقرأ باعتبارها اشتباكاً يمنياً محلياً فقط.
تغيير خريطة الحرب
المعادلة الأكثر أهمية الآن هي ما إذا كانت القوات الحكومية ستكتفي باستعادة المواقع التي خسرتها خلال الأسابيع الماضية، أم ستستثمر الزخم العسكري في الانتقال إلى الهجوم. وهنا تكمن نقطة التحول.
إذا توقفت العمليات عند حدود ذباب وباب المندب، فإنها ستكون أقرب إلى عملية عسكرية لاستعادة خط دفاعي استراتيجي. أما إذا استمرت شمالاً عبر المخا، وبدأ الضغط المنظم على مواقع الحوثيين باتجاه الحديدة، فإننا نكون أمام محاولة لإعادة رسم خريطة الساحل الغربي بالكامل. وهذا هو الاختبار الحقيقي للعملية.
فالسيطرة على باب المندب مهمة، لكنها لا تعني وحدها تغيير ميزان الحرب. أما فتح محور متصل من باب المندب إلى المخا ثم الحديدة، فسيمثل تحولاً أكثر عمقاً، لأنه سيضع الحوثيين أمام ضغط ساحلي متدرج، بالتزامن مع الضغوط القادمة من جبهات الداخل.
ما يحدث في الساحل الغربي يبدو، حتى 5 أكتوبر، أكبر من مجرد معركة لاستعادة ذباب. فاختيار باب المندب كنقطة انطلاق للهجوم يحمل رسالة عسكرية واضحة: استعادة المبادرة تبدأ من المكان الذي حاول الحوثيون تحويله إلى ورقة قوة إقليمية.
لكن المعركة الحقيقية ستكون في المرحلة التالية. هل تتوقف القوات الحكومية عند تأمين باب المندب، أم تتجه شمالاً لاستعادة المخا وفتح الطريق نحو الحديدة؟ الإجابة ستحدد ما إذا كان هجوم 5 أكتوبر مجرد عملية استرداد للمواقع، أم بداية حملة عسكرية أوسع تهدف إلى تفكيك السيطرة الحوثية على الساحل الغربي، وفرض معادلة جديدة في الحرب اليمنية.
وفي حال تمكنت القوات الحكومية من الحفاظ على زخمها، فإن الساحل قد يتحول من نقطة ضغط حوثية خلال سبتمبر إلى محور اختراق حكومي في أكتوبر. وعندها لن يكون السؤال: من يسيطر على باب المندب؟ بل: من يملك الطريق إلى الحديدة؟