تعز | وحدة الرصد – محرم الحاج
لم تعد الكارثة الإنسانية في مدينة تعز مجرد خرق أمني أو شح طارئ في المواد الأساسية؛ بل تحولت إلى عقاب جماعي وحصار مركب يطوق رقاب أبنائها من مطلع الفجر وحتى هزيع الليل. تعز التي تئن تحت وطأة محاصرة المليشيا الممتدة لسنوات، تتجرع اليوم مرارة موجة معيشية هي الأكثر قسوة وشراسة، تلاقت فيها أزمات الوقود، والدقيق، والغاز المنزلي لتصنع شللاً تاماً يهدد بركود اقتصادي وإنساني غير مسبوق.
شلل حركة التنقل: «السوق السوداء» تبتلع قوت المواطنين
تظهر الشوارع الرئيسية في المدينة – والتي كانت تضج بالحياة – أشبه بمدينة أشباح؛ حيث اختفت حافلات النقل الداخلي، وأُغلقت محطات الوقود الرسمية أبوابها، ليتسيد المشهد تجار «السوق السوداء» بأسعار فلكية لا تطاق.
وفي حديثه لـ «وحدة الرصد»، يلخص سائق دراجة نارية في شارع جمال حجم المأساة قائلاً: «نشتري القنينة الصغيرة (التي لا تتجاوز ثلاثة أرباع اللتر) بأربعة آلاف ريال! بهذا السعر الخيالي، كيف لليوميّ أن يعيل أسرته؟ العمل أصبح مجرد استنزاف لما نملك».
هذا الجنون السعري أوجد معادلة جائرة للتنقل؛ إذ باتت المشاوير نحو الأحياء المرتفعة والجبلية حكراً على من يستطيع دفع كلفة السوق السوداء المضاعفة، بينما يعجز الطلاب والموظفون والمرضى عن الوصول إلى مقاصدهم، ليتحمل المواطن البسيط الفاتورة الأكبر من جيبه وقوته وصحته.
أزمة الرغيف: رحلة شاقة في طوابير المهانة
وفي خط موازٍ للانهيار اللوجستي، تشتعل أزمة الغذاء عند منافذ ومراكز بيع الدقيق. طوابير حاشدة من الرجال والنساء تمتد لمئات الأمتار تحت شمس الحارقة، أملاً في الظفر بـ «كيس دقيق» لا يتعدى زنه 25 كيلوغراماً.
وبعد ساعات طوال من الانتظار المعني والمضني، تعود معظم هذه الأسر بخفي حنين أمام عبارة نزل عليهم كالصاعقة: "الكمية نفدت". لتتحول لقمة العيش من حق مكفول إلى حلم يومي مؤجل ورحلة شقاء لا تنتهي.
بيوت بلا غاز: ارتداد زمني إلى بدائية الحطب
وداخل المنازل، تكتمل أركان الفاجعة الإنسانية بنفاد وتلاشي المادة الحيوية للطهي؛ فالغاز المنزلي أصبح مفقوداً تماماً من مراكز التوزيع المعتمدة.
هذا الانقطاع الجائر أجبر آلاف الأسر على الارتداد لعقود إلى الخلف، بالعودة إلى استخدام الحطب والمواد البديلة المكلفة والضارة صحياً، في مشاهد تعيد إلى الأذهان المريرة بدايات الحصار الإرهابي عام 2015م، لتتحمل المرأة التعزية العبء الأكبر في تدبير القوت اليومي لأطفالها وسط بيئة طباخة خطرة ومعقدة.
شريان الأمل: أنظار معلقة نحو منفذي «الكدحة - المخا» و«التربة - عدن»
على الرغم من هذا الشلل الخانق والسواد القاتم، لا يزال أهالي تعز يتشبثون ببارقة أمل ويترقبون بفارغ الصبر إنهاء ملف الحصار وكسر قيوده.
وتتجه كافة الأنظار اليوم نحو محوري «الكدحة – المخا» و«التربة – عدن»، باعتبارهما شرياني الحياة وطوق النجاة الوحيد الكفيل بكسر العزلة المفرملة، وإعادة تدفق إمدادات المشتقات النفطية والمواد الغذائية والغاز، وضخ الدماء في شرايين المدينة المحتضرة.
إن الفرج في عرف أبناء تعز لا يُقاس مطلقاً بحجم الشاحنات أو المساعدات الإغاثية الشحيحة التي تدخل، بل باستعادة حقهم الأصيل في الحياة الكريمة، وأن يعود المشوار حقاً متكافئاً، ورغيف الخبز متاحاً بكرامة، بعيداً عن أساليب التركيع ومقصلة التجويع الممنهجة.