خاص ( البعد الرابع) غرفة الأخبار
نشر في السبت ,10 اكتوبر ,2026-02:44 مساءً
مقال تحليلي ل أ.محمد الحربي
لم يكن تعثر الحكومة اليمنية الشرعية في مواجهة الحوثيين نتيجة نقص السلاح أو الرجال، بل نتيجة خلل أعمق في بنية القرار السياسي والعسكري.
على مدى سنوات، امتلكت الشرعية كل مقومات الحسم: اعتراف دولي، دعم تحالف عربي، جيش معلن، وموارد ضخمة. لكنها فشلت في تحويل كل ذلك إلى نصر، لأنها لم تبنِ قيادة واحدة، ولم توحد استراتيجيتها، وتركت خلافات مكوناتها تنهش الجبهات من الداخل.
أولاً: الحوثي استثمر انقسام خصومه أكثر من قوته
الحوثيون لم ينتصروا لأنهم الأقوى عسكرياً فقط، بل لأن خصومهم كانوا منقسمين.
تماسكهم التنظيمي، وخطابهم الأيديولوجي المغلق القائم على فكرة "الولاية"، منحهم قدرة عالية على التعبئة وتحمل الخسائر. وفي المقابل، كانت جبهة الشرعية تتآكل من الداخل.
تحول التنافس السياسي بين مكونات الشرعية إلى خصومة مباشرة انعكست على المعركة. أصبحت بعض الجبهات رهينة للنكاية السياسية، حتى أن خسارة الطرف المنافس أصبحت مقبولة عند البعض، حتى لو كانت النتيجة هي تقدم الحوثي. ومن هنا جاءت الانهيارات المفاجئة وتسليم المواقع والمعسكرات التي لم يكن يمكن تفسيرها بميزان القوة وحده.
ثانياً: جيوش متعددة بلا قيادة واحدة
هذه هي المعضلة الأخطر. تعددت التشكيلات والولاءات ومراكز النفوذ، ولم تستطع الشرعية فرض منظومة قيادة وسيطرة موحدة.
القوة لا تقاس بعدد المقاتلين، بل بمدى خضوعهم لقرار واحد وقدرتهم على التنسيق وتأمين الإمداد. وعندما أصبحت كل جبهة تتبع قيادة مختلفة وحسابات حزبية ومناطقية مختلفة، تحولت الحرب من استراتيجية وطنية إلى صفقات وتفاهمات بين القادة.
فقدت الثقة، وتآكلت المؤسسة العسكرية، وأصبح السلاح موجوداً لكن القرار مشتتاً.
ثالثاً: غياب العقيدة القتالية.. شرعية دولية بلا روح قتالية
الحوثي يقاتل بعقيدة، حتى لو كانت عقيدة طائفية زائفة، لكنها تمنحه مبرراً للتضحية وتفسر له لماذا يموت.
الشرعية تملك "شرعية الدولة" لكنها لم تحولها إلى عقيدة قتالية جامعة. الاعتراف الدولي لا يصنع مقاتلاً في الخندق. المقاتل يحتاج أن يعرف لماذا يقاتل، وأن يثق بأن تضحيته لن تذهب هدراً في صراع حزبي.
فشلت الشرعية في بناء ذلك الإطار: مشروع وطني واضح، قيادة موثوقة، مؤسسات تحمي الجندي بعد المعركة.
في المقابل.. لماذا تقدمت القوات الجنوبية؟
هنا تبرز تجربة ألوية العمالقة الجنوبية وقوات درع الوطن وقوات الإسناد. هذه القوات حققت ما عجزت عنه ألوية بأكملها في جبهات أخرى، من الساحل الغربي إلى شبوة عام 2022، وصولاً إلى تحرير باب المندب وجزيرة ميون اليوم.
السر ليس في السلاح وحده، ولا في الانتماء المناطقي وحده. السر في 4 عوامل اجتمعت:
1. قيادة متماسكة وقرار واحد.
2. انضباط تنظيمي ووضوح في المهام.
3. تدريب وتسليح وإمداد مستقر ومنظم.
4. قضية واضحة يقاتل من أجلها المقاتل ويشعر أنها تمثله.*
هذا لا يعني أن هذه القوات قادرة على حسم الحرب وحدها، فالحرب أكبر من جبهة، وكل جبهة لها ظروفها وعدوها ودعمها. لكنها تقدم نموذجاً يثبت أن المشكلة ليست في المقاتل اليمني، بل في من يقوده.
الخلاصة: النصر ليس سلاحاً.. بل مشروعاً
التقدم في باب المندب مهم، لكنه لن ينهي الحرب إذا لم يتحول إلى درس.
مواجهة الحوثي تحتاج أكثر من بندقية: تحتاج قيادة موحدة، وعقيدة وطنية تجمع الناس لا تفرقهم، وانضباط مؤسسي يمنع استخدام الجبهات لتصفية الحسابات، ورؤية لما بعد التحرير.
فاستعادة الدولة لا تتحقق بمجرد امتلاك السلاح، بل بوجود قيادة تعرف لماذا تقاتل، وقوى تثق ببعضها، ومشروع وطني يجعل الانتصار على الحوثي بداية لإنهاء الانقسام، لا بداية لصراع جديد.