ثقافة وفنون

«الحفّار».. خطايا الأمس واليوم برقبة إنسان الغد

الخليج الاماراتية 11/10/2026 23:22 359 مشاهدة
«الحفّار».. خطايا الأمس واليوم برقبة إنسان الغد
الخلاصة

توم كروز يبتعد عن الأكشن في «الحفّار» لإيناريتو؛ كوميديا سوداء فلسفية عن كارثة بيئية وجشع النفط وحكومة متواطئة وإخراج مسرحي حواري

حين تعلن أي شركة إنتاجية عن تصوير فيلم من بطولة النجم توم كروز، فهي تدرك جيداً أنها تضمن الإقبال الجماهيري والنجاح المسبق، هكذا كان الحال طوال السنوات الماضية، إلى أن أطل كروز بالفيلم الجديد الذي يعرض حالياً في الصالات، «الحفّار» أو «ديجر»، حيث اختلت الموازين وشكّل العمل صدمة للجمهور أعاقت نجاحه بمعيار شباك التذاكر، لكن هل هذا الفشل في الإيرادات يعني فشل الفيلم من حيث القيمة الفنية؟ وهل أساء كروز اختيار تغيير وجهته هذه المرة ليخلع عنه عباءة «الأكشن» والمغامرات والقفز والمطاردات مع اعتماد تغيير الشكل كلياً، أم أنه تغيير مطلوب للخروج من النمطية والقالب الواحد وإعادة الحيوية إلى الأداء التمثيلي الدرامي؟

ليس سهلاً أن يدخل توم كروز منطقة سينمائية لا تعتمد على السرعة، والطائرات، والمهمات المستحيلة، والمخابرات والتجسس، وكل ذلك البريق الذي اعتاد أن يضعه حول صورته كنجم قادر على فعل كل شيء وتحقيق أصعب القفزات بلا «دوبلير» ينوب عنه. في «الحفّار»، يخلع كروز شيئاً من جلده السينمائي المألوف، ويدخل إلى عالم أكثر قتامة وسخرية وعبثاً، يقوده المخرج المكسيكي أليخاندرو غونزاليس إيناريتو، في فيلم لا يمكن اعتباره مجرد حكاية عن كارثة بيئية، بل يحمل فكراً فلسفياً وسؤالاً ساخراً عن الإنسان الذي يصنع الكارثة ثم يقف أمامها باحثاً عن الحلول مدعياً أنه المنقذ.

الفيلم قصة وكتابة المخرج نفسه بمشاركة ألكسندر دينيلاريس ونيكولاس جياكوبوني وسابينا بيرمان وجيز بتروورث، وهذه الأسماء وحدها تخبرنا أننا أمام عمل لا ينتمي إلى سينما المغامرة التقليدية، بل إلى سينما الكوميديا السوداء والأفكار التي تضع أمامك الواقع بمرارته، تأخذك إلى المستقبل الافتراضي من منطلق ما حصل في الماضي ومازال مستمراً.

قضية خطرة

كثر تساءلوا عن سبب اختيار توم كروز لتغيير جلده الآن وهو على قمة التألق والتميز بأدواره في المهمات المستحيلة، وسبب اختياره أداء شخصية الحفّار روكويل، رجل النفط صاحب السلطة والأموال وأكبر شركة لحفر الآبار وقد ورثها عن أبيه وجده، قبل أن يجد نفسه في مواجهة كارثة بيئية نتيجة جشعه؟ من يشاهد الفيلم ويتحمل المتابعة حتى اللقطة الأخيرة منه، يفهم أن الاختيار ليس عبثياً، فالقضية التي يتناولها الفيلم مهمة جداً وخطرة، تسلط الضوء على ما صنعه الإنسان على مدار السنوات من هدم وتخريب وتفتيت وتشويه وسوء استغلال للطبيعة، وما سيجنيه في المستقبل ليس بالبعيد من كارثة أكبر. التنقيب وتشويه الطبيعة بحثاً عن «الثروات» ورثهما روكويل عن جده وأبيه، وذهب بالتنقيب في المناطق الجليدية إلى أن تسبب في انهيار جليدي ضخم يوازي بحجمه خمسة أضعاف واشنطن، وبعلم من رئيس الجمهورية والحكومة الأمريكية، ما يستدعي إجراء اجتماع عاجل للتباحث في الحلول الضرورية والعاجلة، حيث نكتشف أن ما يقال في العلن غير ما يجري في الكواليس، وأن الرئيس الأمريكي لا يعنيه ما سيحل بالعالم، ولا الخسائر التي تصل إلى 18 تريليون دولار، بقدر ما ينشغل بالتفاهات والسخرية من العالِم الهندي المسؤول عن السلامة ويحذر مما سيحصل، في إسقاط ساخر وواضح على الأزمة التي يفتعلها الرئيس الأمريكي الحالي بإصراره على ترحيل من هم من أصول غير أمريكية.

تفاهة الرئيس والحكومة والمشاورات تنتهي بضرورة رشوة حكومات الدول ووسائل الإعلام والمنصات كما يحصل عادة، للتغاضي عن انبعاث ثاني أكسيد الكربون وما سيحصل بالبشرية والحياة على هذا الكوكب. أهمية الفيلم في الفكرة والحوار الذي يحمل الكثير من الحقائق والاتهامات المباشرة والواضحة، التي من المهم التوقف عندها مثل قول العالِم للحفّار: هذه المشاكل التي لا يمكن حلها اليوم سببها أنك كنت ووالدك على علم بها منذ سنوات ولم تفعلوا شيئاً بينما الأبرياء والأطفال ينامون، في تلميح إلى أن الاختلال الحاصل اليوم في البيئة والطبيعة الذي سيزداد علم به وبنتائجه من يتسببون فيه بينما الشعوب غافلة عما يحصل، ثم يسرعون إلى تحذيرنا وادعاء البحث عن حلول.

سبب الكارثة

الأمريكي هذه المرة ليس مخلصاً ومنقذاً للعالم، بل متسبب في انهياره، وهو من الأفلام القليلة التي تعكس هذه الصورة، وتبرز الكارثة البيئية وما سيصل إليه العالم بعد سنوات، الذي يتجسد في مشهد رائع وقوي جداً في الختام، ولا يمكن أن نذكره كي لا نحرق الأحداث، لكن مشكلة أليخاندرو إيناريتو أنه لم يوضح منذ البداية أننا أمام عمل مسرحي، وأن أبطاله يمثلون القصة، لذلك يشعر الجمهور باستغراب من حصر التصوير في مكان واحد، وتصوير داخلي والاعتماد على الحوار طوال الوقت بلا حركة، حتى مشاهد الطبيعة مركبة. كل ذلك يأتي تفسيره لاحقاً، لذلك يشعر المشاهد بشيء من الضيق.

عالم مسرحي

الحوار عند إيناريتو يحمل وجهي الملل والعمق الفلسفي والجرأة في قول الحقائق كما هي وبسخرية واضحة، ربما لو توضحت الصورة منذ البداية وفهم المشاهد أنه أمام بطل يجسد شخصية الحفّار في عمل مسرحي يحضره جمهور داخل الصالة، لازداد الإقبال على الفيلم، لأنه من النوع «الثقيل» الذي لا يعتمد على التبسيط ولا على البهرجة والحركة. لذلك من المهم إعادة مشاهدة الفيلم بنظرة مختلفة، والتمعّن في تفاصيله، لأنه يحمل الكثير من الرمزية والقضايا الإنسانية المهمة، ونهايته تستحق التصفيق مطوّلاً، ليس عند انتهاء المسرحية بل في المشهد الأخير الذي يليها، الذي يستحق عليه كل من عمل على كتابة وإخراج «الحفّار» التصفيق والإشادة، لأنهم فجأة ينقلون الجمهور إلى مشهد تقشعر له الأبدان ويثير القلق ويجبره على استعادة كل ما قيل وما حصل على مدار الساعتين.

لا شك أن أداء توم كروز ممتاز، وكذلك كل فريق التمثيل مثل ريز أحمد (العالِم الهندي) وجون جودمان (الرئيس الأمريكي)، والتميز أيضاً في الماكياج وتغيير شكل كروز كلياً، وفي الديكور الذي جعل من الطبيعة جزءاً حياً وافتراضياً في نفس الوقت.

[email protected]