لم تعد الصورة التي تحاول ميليشيا الحوثي ترسيخها عن امتلاكها قوة بشرية لا تنفد كافية لحجب الضغوط المتزايدة التي تواجهها على جبهات القتال، في ظل اتساع رقعة المواجهة، وتزايد الخسائر، والحاجة المستمرة إلى رفد المواقع الأمامية بالمقاتلين. وبينما تراهن الجماعة المدعومة من إيران على التخويف والدعاية لتضخيم قدراتها وإرباك خصومها، تبرز مؤشرات على أن كلفة استمرار التصعيد بدأت تفرض عليها تحديات أكثر تعقيداً في تأمين العنصر البشري وإعادة توزيع قواتها.
وفي قراءة لهذه التطورات، يسلط الصحفي المتخصص في الشؤون العسكرية وجماعة الحوثيين في اليمن عدنان الجبرني الضوء على ما وصفه بمؤشرات أزمة في القوة البشرية لدى الحوثيين، معتبراً أن صورة القوة التي لا تنضب، التي طالما سعت الجماعة إلى تكريسها، قد لا تعكس حجم الضغوط التي تواجهها على الأرض.
استنزاف متزايد
وبحسب ما أورده الجبرني، فإن معلومات من داخل الجماعة تشير إلى تزايد الصعوبات في توفير الأعداد المطلوبة من المقاتلين، بالتزامن مع استمرار الخسائر والاحتياج إلى تعزيز الجبهات المفتوحة. ويطرح ذلك تساؤلات بشأن قدرة الحوثيين على مواصلة سياسة التصعيد بالوتيرة نفسها، خصوصاً مع اضطرارهم إلى الموازنة بين حماية مناطق سيطرتهم وإسناد مواقع المواجهة.
وتشير المعطيات التي تناولها التحليل إلى اعتماد الجماعة على حملات استقطاب وتجنيد متواصلة، إلى جانب الاستعانة بعناصر من الأجهزة الأمنية والتعبوية التي لا تعمل جميعها في الخطوط الأمامية، في محاولة لتعويض النقص في المقاتلين. كما تحدث الجبرني عن توجيهات مزعومة بإرسال موظفين وعناصر غير أساسية إلى جبهة تعز، بما يعكس حجم الأولوية التي تمنحها الجماعة لتعزيز مواقعها العسكرية.
وأشار الجبرني إلى تحركات لنقل مقاتلين من مناطق في محافظة حجة وبعض الجزر إلى محاور الساحل الغربي، بما في ذلك محيط المخا وذوباب، لمواجهة قوات العمالقة ومحاولة الحد من الضغوط العسكرية على مواقع الحوثيين القريبة من مضيق باب المندب.
وتكتسب هذه التحركات أهمية إضافية بالنظر إلى الموقع الاستراتيجي للساحل الغربي، حيث تتداخل الحسابات العسكرية مع أمن الملاحة الدولية في البحر الأحمر وباب المندب. فمحاولة تعزيز هذه الجبهة لا تعكس أهمية موقعها فحسب، بل تضع الجماعة أمام اختبار القدرة على توزيع مواردها البشرية بين أكثر من محور، في وقت تتطلب فيه المواجهات المتزامنة احتياطياً بشرياً وقدرة مستمرة على التعويض.
وإذا صحت المعلومات المتعلقة بنقل المقاتلين من جبهات ومناطق أخرى إلى الساحل الغربي، فإن ذلك قد يشير إلى أن الجماعة باتت مضطرة إلى إعادة ترتيب انتشارها العسكري لمواجهة الضغوط، بدلاً من الاكتفاء بإظهار قدرتها على فتح جبهات جديدة أو التلويح بالتصعيد.
الدعاية لا تعوّض الخسائر
ويرى الجبرني أن جانباً من قوة الحوثيين في نظر خصومهم يستند إلى الهالة التي أحاطت بها الجماعة نفسها، وإلى خطاب يضخم قدراتها ويقدمها باعتبارها طرفاً قادراً على الاستمرار في القتال دون استنزاف مؤثر. وقد أسهمت هذه الصورة، في بعض الأحيان، في تضخيم تقديرات قدراتها، حتى لدى أطراف مناهضة لها.
لكن القوة العسكرية لا تُقاس بحجم الدعاية أو كثافة الخطاب التعبوي، بل بقدرة القوات على تعويض خسائرها، والحفاظ على جاهزيتها، وإدارة انتشارها، وتأمين الإمدادات البشرية واللوجستية. ومن هذا المنطلق، فإن أي مؤشرات على تراجع قدرة الحوثيين على رفد الجبهات تستحق المتابعة، خصوصاً إذا اقترنت بخسائر متراكمة واضطرار إلى سحب مقاتلين من مناطق أخرى.
وتكشف هذه المؤشرات، أن الجماعة الحوثية ليست بمنأى عن الاستنزاف، وأن اتساع المواجهات قد يفرض عليها خيارات صعبة في توزيع المقاتلين وتحديد أولوياتها العسكرية. كما أن نقل العناصر بين الجبهات قد يمنحها قدرة على سد بعض الثغرات مؤقتاً، لكنه لا يعني بالضرورة معالجة أي نقص هيكلي في القوة البشرية.