حين يتحول الوطن إلى فندق خمس نجوم في عواصم العبور، وتتحول موازنات الدولة إلى بوفيه مفتوح «للوجبات الدسمة» والبدلات العابرة للقارات، يصبح الموظف النازح مجرد رقم في دفاتر الذاكرة المخترقة وعظمًا مهشمًا على موائد اللئام. فبين وزارة المالية التي ترى في الراتب مجرد «منحة» تمنّ بها على قدر الهوى، وخدمة مدنية تخطط للتقاعد قبل أن يولد الموظف، ورئاسة وزراء ترعى الحفلات وتحتفي بالهواء الطلق، يعيش الموظف النازح ملحمته اليومية: يبحث عن أثر لراتبه فيكتشف أنه طار مع «البدلات السيادية»، ويطرق باب «عظام الحكاية» فلا يجد سوى صدى وعود خاوية تشبه وجوه أصحابها.
فلسفة «الوليمة والعظم»
د. فخري العكيمي (المحلل السياسي والنائم في العراء الإداري) قال: «ما تشهده الشرعية ليس عجزًا، بل عبقرية في توزيع الأدوار؛ فبينما تُصرف «الوجبات الدسمة» والبدلات بالعملة الصعبة في فنادق الشتات تحت بند «مواجهة الظروف الاستثنائية»، يكتفي الموظف النازح بتلقي «عظام الحكاية» عبر صرافين يعاملونه معاملة الناجي من غرق. الحكومة هنا لا تمارس السياسة، بل تمارس فن إبقاء الموظف على قيد الرجاء، وكأن لسان حالهم يقول: اشبعوا من الهواء، فالعملات الصعبة وُجدت لبطون الكروش العابرة، لا للجيوب النازحة!».
كشافة الجوع على خط النار
عارف الحدأ (رئيس اتحاد الشباب النازح وحامل حقائب خاوية) قال: «لقد اخترعنا كشباب نازحين رياضات جديدة لم تكن في أولمبياد التاريخ؛ مثل رياضة «الركض خلف صراف لا يجيب»، و«المشي على تنك الراتب المقطوع منذ أشهر». بينما قيادات المالية والخدمة المدنية يتبارون في نشر صور ولائمهم على وسائل التواصل تحت عنوان «اجتماعات عمل مكثفة لإنقاذ الاقتصاد»، فإننا نقف في طوابير الذل ننتظر عظم الحكاية عسى أن نجد فيه لحمًا، فنجده مجرد بلاستيك سياسي مطهو على نار الشائعات!».
مرارة القدر في مهب الريح
فوزية الشرجبي (الأكاديمية والناطقة باسم الأمهات المقهورات) قالت: «الأمر لم يعد يثير الغضب، بل السخرية السوداء التي تقطر دمًا. كيف يمكن لامرأة نزحت من بيتها وهي تحمل شهادتها وذكرياتها أن ترى زميلها في العاصمة المؤقتة أو في الخارج ينفق بدل سفر على مؤتمر وهمي يكفي لرواتب قرية بأكملها؟ لقد أبدعت الحكومة في تحويلنا إلى حكايات تُحكى في مجالس السمر، حيث تُترك لنا «عظام الحكاية» بينما يُلتهم الخروف المحشي بدلاتٍ وبدل جلسات وبدل تمثيل. حسبي الله ونعم الوكيل في وزارة لا تملك من المدنية إلا اسمها، ومن المالية إلا جباية أوجاعنا».
أين ذهبت ذخيرة الرواتب؟
العميد المتقاعد/ صالح ناصر المريسي (القيادي العسكري المرابط بلا عتاد ولا راتب) قال: «في الجيش والمدنية سيان؛ فالبدلات تُصرف لمن لا يحملون سوى حقائب السفر الدبلوماسية، بينما المرابطون والنازحون يُتركون بلا رعاية. تخيل أنك تقف تحيةً للشرعية وهي تطلق عليك رصاصة «التأخير المتعمد» في صرف الرواتب، ثم تخرج علينا تصريحات «معالي الوزير» لتزف لنا بشرى قرب حل المشكلة منذ خمس سنوات! إنهم يتقنون استراتيجية «التجويع الممنهج» ويظنون أن النازح سيتحول إلى هيكل عظمي يصفق لهم في المؤتمرات».
بورصة الوجبات وبنوك الوهم
نجيب الصلاحي (رجل الأعمال الصغير والهارب من ضرائب العشوائية) قال: «من الناحية الاقتصادية البحتة، الحكومة تدير اقتصادًا موازيًا قائمًا على «استثمار الأزمات». البدل يُصرف بالدولار لعلية القوم كـ«وجبة دسمة»، والراتب يُصرف بالريال المتهالك (إن صُرف) كـ«عظم حكاية» يتقاسمه الموظف مع الكلاب الضالة. كيف تطلب من موظف أن يبدع أو يخلص في عمله وهو لا يملك ثمن حبة ليمون لعلاج قهر الإداريين؟ الأسواق تضج بسخرية الموظفين من تصريحات وزير المالية الذي يعيش في كوكب آخر».
رواية الموظف المهشم على ألواح التاريخ
سالم العواضي (الكاتب الساخر والباحث في كوميديا الوجع الإداري) قال: «نحن أمام ملحمة درامية فريدة: الكوميديا السوداء التي أنتجتها وزارة الخدمة المدنية ورئاسة الوزراء. لقد كتبوا فصولًا طويلة عن «إصلاح الهيكل الوظيفي» و«تنقية كشوفات المزدوجين»، وكلما نقّوا الكشوفات اكتشفنا أنهم نقّوا ما تبقى من لحم في عظم الموظف النازح! إنهم لا يكتبون تاريخًا للوطن، بل يكتبون مسرحية عبثية بطلها موظف مقهور، ومؤلفها معالي الوزير الذي لا يعرف من العاصمة إلا بوابات الفنادق ومطاعمها الفاخرة».
الخاتمة:
تبقى حكاية الموظف النازح في دفاتر الشرعية معلقة بين سماء البدلات المفتوحة وأرض العظام المهشمة، فلا المالية أفاقت من ترف حساباتها، ولا الخدمة المدنية استحت من طوابير المنتظرين.