أخبار محلية

صنعاء بين الرماد والبارود.. ذعر الميليشيا وحقيقة الانفجار المرتقب

صنعاء بين الرماد والبارود.. ذعر الميليشيا وحقيقة الانفجار المرتقب

تبدو العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء في مظهرها الخارجي مدينةً استكانت تحت وطأة القمع والترهيب الحوثي؛ إلا أن التدقيق في تفاصيل الأسابيع الماضية ـ الممتدة من مطلع سبتمبر أيلول وحتى اليوم 24 أكتوبر تشرين الأول 2026ـ يكشف عن حقيقة مغايرة تماماً، حيث  تعيش صنعاء اليوم حالة غليان غير مسبوقة وصحوة شعبية قهرية قوامها الاحتقان والرفض المكبوت، مما دفع الميليشيات الحوثية إلى تحويل المدينة إلى معسكر مغلق تحت الرقابة الأمنية القصوى، مستعينةً بأجهزة مخابراتها لشن أوسع حملة قمعية تهدف إلى خنق الهوية الوطنية وإخماد أي صوت جمهوري.

سيكولوجية الذعر الحوثي

في الأيام الماضية مثّلت ذكرى ثورة 26 سبتمبر الجمهورية كابوساً حقيقياً هدد الجبهة الداخلية للميليشيات. 

ورغم محاولات المليشيا فرض احتفالاتها الطائفية البديلة (21 سبتمبر)، واجهت ارتداداً شعبياً واسعاً تمثل في إصرار المواطنين على رفع الأعلام الوطنية في الشوارع، وفوق أسطح المنازل، وعلى السيارات، وتغيير صور الحسابات الشخصية على منصات التواصل الاجتماعي.

هذه المظاهر العفوية البسيطة قرأتها الميليشيات باعتبارها إعلان عصيان وتهديداً وجودياً لمشروعها السلالي، وردت عليها بهستيريا أمنية غير مسبوقة: 

تكسير ومصادرة، حيث وثقت التقارير اعتداء عناصر الميليشيات بأعقاب البنادق على المركبات التي ترفع العلم الجمهوري وتحطيم زجاجها في صنعاء وذمار والبيضاء.

إنكار الهوية، من خلال معلومات خاصة فقد مارس المحققون الحوثيون ضغوطاً نفسية على المختطفين، وصرخوا في وجوههم بعبارات تنفي وجود ثورة 26 سبتمبر وتتوعد بإنهائها تماماً.

عزل العاصمة عن محيطها

تعيش قيادات الميليشيات الحوثية حالة توجس وجودي انعكست على جغرافية منافذ العاصمة، حيث تحول الحزام القبلي المحيط بصنعاء (طوق صنعاء) إلى خط دفاع أمني أول ضد مخاوف انتفاضة قبلية منسقة، من خلال النقاط الليلية والكمائن المستحدثة، ضاعفت الميليشيات من أعداد النقاط الأمنية المفاجئة عند المداخل الرئيسية (منفذ يسلح جنوباً، والأزرقين شمالاً، ونقطة الصباحة غرباً).

 وتعمل هذه النقاط بآلية التفتيش الدقيق للهويات، وتفتيش الهواتف المحمولة للمسافرين، والتحقيق مع القادمين من المحافظات المحررة.

وكذا ترهيب واحتجاز الوجهاء، حيث شنت المليشيا حملة استدعاءات مكثفة لمشايخ وعقال حارات طوق صنعاء، وأجبرتهم على توقيع وثائق شرف تلزمهم بالإبلاغ الفوري عن أي تحركات قبلية أو اجتماعات غير مصرح بها داخل قراهم ومناطقهم، مع تهديد المخالفين بعزلهم ومصادرة ممتلكاتهم.

عسكرة الأحياء السكنية ورقابة المشرفين

داخلياً، تحولت أحياء صنعاء العتيقة والحديثة إلى مربعات معزولة تحت المراقبة الحوثية اللصيقة. ولم تعد الرقابة مقتصرة على الأجهزة الرسمية، بل امتدت إلى عسكرة الحياة اليومية للمواطنين من حيث:

• شبكات الجاسوسية المحلية، حيث تم تفعيل دور مشرفي الحارات وجهاز الزينبيات السري لجمع المعلومات الاستخباراتية من داخل البيوت والمجالس النسائية، ورصد العائلات التي يبدي أفرادها تذمراً من تدهور الوضع المعيشي أو انقطاع الرواتب.

• منظومة كاميرات المراقبة الإجبارية؛ ألزمت الميليشيات أصحاب المحلات التجارية، والمطاعم، والمباني السكنية بتركيب كاميرات مراقبة حديثة وربطها بغرف عمليات أمنية تابعة للمليشيا، كشرط أساسي لتجديد تراخيص العمل، بهدف رصد أي تجمعات أو كتابات جدارية مناهضة.

حصاد القمع بالأرقام

وفقاً لإحصاءات وتقارير وثقتها منظمات حقوقية بارزة، من بينها الشبكة اليمنية للحقوق والحريات خلال النصف الثاني من سبتمبر وأكتوبر، فقد تم رصد وتوثيق:

ـ أكثر من 278 حالة اختطاف مؤكدة خلال أيام قليلة طالت مدنيين وناشطين في 9 محافظات تصدرتها الأمانة وريف صنعاء، وعمران، وذمار، وإب، والحديدة.

ـ أكثر من 1033 انتهاكاً حوثياً شاملاً شمل مداهمات للمنازل والقرى، والاعتداء على الحاضنة القبلية، واختطاف النساء والأطفال، وتصفيات ميدانية مجتزأة.

ـ توسع الاختطافات القبلية: طالت الملاحقات مزارعين ووجهاء قبلية (مثلما حدث في مديرية الحدا بذمار وفي ريف صنعاء) فقط لمشاركتهم في إيقاد شعلة سبتمبر على قمم الجبال.

ـ تعهدات قهرية: لم تفرج الميليشيات عن بعض المختطفين إلا بعد إجبارهم على توقيع ضمانات وتعهدات تجبرهم على عدم إحياء المناسبات الوطنية والالتزام بالأنشطة الطائفية للجماعة.

التصعيد العسكري المحتدم.. خناق يضيق جغرافياً

يتزامن هذا الاحتقان الداخلي غير المسبوق مع انهيار حالة الهدوء النسبي واشتعال المواجهات الميدانية العنيفة بين القوات الحكومية والميليشيات الحوثية على محاور استراتيجية متعددة منها:

• الهجمات والهجمات المضادة؛ تجددت المعارك الشرسة إثر هجمات حوثية في تعز والساحل الغربي، والتي قوبلت بهجوم مضاد واسع النطاق من القوات الحكومية (مسنودة بألوية العمالقة ودرع الوطن والمقاومة الشعبية) في جبهات الجوف والبيضاء ومحيط مأرب.

• الاستنزاف العسكري الداخلي؛ نتيجة للخسائر الميدانية، لجأت المليشيا الحوثية إلى تجنيد إجباري مستتر وتكثيف خطب الجمعة لرفد الجبهات بالمنخرطين قسراً، بالتوازي مع استنزاف الأسواق المحلية عبر الشراء المكثف للدراجات النارية لاستخدامها في العمليات العسكرية.

استهدف المنظمات الدولية وسعار التجسس الزائف

لم تسلم المنظمات الإنسانية الدولية من قبضة الرقابة وسعار الميليشيات؛ حيث تواصل احتجاز أكثر من 53 موظفاً تابعاً للأمم المتحدة والوكالات الدولية والمنظمات الأهلية في سجونها بصنعاء. واقتحم المسلحون الحوثيون مكاتب تابعة لـ(WFP) و(UNICEF) و(WHO) وصادروا أجهزة الخوادم والحواسيب والهواتف بتهم واهية كالتجسس لصالح جهات خارجية.

 هذا التضييق الممنهج تسبب في تعليق الكثير من المساعدات الإغاثية الشحيحة، مما عمّق الكارثة الإنسانية وأفرز بيئة بالغة الخطورة للمدنيين والموظفين الدوليين على حد سواء.

مؤشرات الانفجار القادم

إن تقييم المشهد في صنعاء اليوم يؤكد أن سياسة الصحوة القهرية التي فرضها القمع الحوثي لم تعد تنتج خوفاً، بل تحولت إلى حالة من الإجماع الشعبي الصامت والرافض للميليشيات الطائفية. 

فالمدينة التي تقبع تحت كاميرات المراقبة، وأعقاب البنادق، وحملات المداهمات الليلية، باتت أشبه بمخزن بارود ينتظر الشرارة المناسبة.

ويعكس الهلع حقيقة دامغة هي أن الميليشيا تدرك تماماً أن شرعيتها متآكلة، وأن القبضة الأمنية الحديدية هي خيارها الوحيد والأخير للاستمرار فوق عاصمة يرفضها سكانها وينتظرون لحظة الخلاص منها.