أخبار محلية

حصار الحوثيين يخنق تعز.. المياه شحيحة والأسعار تقفز والسكان على حافة كارثة إنسانية

نافذة اليمن 25/10/2026 19:46 359 مشاهدة
حصار الحوثيين يخنق تعز.. المياه شحيحة والأسعار تقفز والسكان على حافة كارثة إنسانية

تدفع مدينة تعز ثمنًا إنسانيًا متصاعدًا مع تشديد ميليشيا الحوثي المدعومة من إيران حصارها على المدينة، في أزمة لم تعد تقتصر على صعوبة الحصول على مياه الشرب، بل امتدت إلى الغذاء والوقود والخدمات الأساسية، وسط تحذيرات منظمات إنسانية من تدهور الأوضاع المعيشية والصحية لأكثر من مليون نسمة.

وكشف تقرير لوكالة أسوشيتد برس أن أزمة المياه المزمنة في تعز، المستمرة منذ أكثر من عقد، بلغت مستويات حرجة خلال الأسابيع الأخيرة، مع تضييق الوصول إلى الآبار، وتراجع إمدادات المياه المنقولة بالشاحنات، ونقص الوقود اللازم لتشغيل محطات المياه والتحلية، بالتزامن مع تصاعد العمليات العسكرية حول المدينة.

وتحوّل الحصول على مياه الشرب إلى عبء يومي يفوق قدرة كثير من الأسر، إذ تضطر عائلات إلى تقليص استهلاكها بصورة حادة، فيما ارتفعت أسعار المياه المعبأة بنسب تصل إلى 75% مقارنة بما كانت عليه قبل أسابيع، واضطرت بعض الأسر إلى شرائها بالدَّين، بحسب التقرير.

ونقل التقرير عن المواطنة هديل الشهيد أن أسرتها، المكونة منها وطفليها، كانت تستهلك نحو عشرة لترات من المياه المعبأة يوميًا للشرب والطهي، لكنها تحاول الآن تدبير الكمية نفسها لأربعة أيام، مضيفة أنهم توقفوا عن شرب القهوة والشاي بسبب شح المياه.

الحصار يفاقم أزمة المياه

وتتجاوز تداعيات الحصار ارتفاع أسعار المياه، إذ يشير التقرير إلى أن سيطرة الحوثيين على مزيد من الطرق والمناطق المحيطة بتعز قيّدت وصول السكان إلى آبار قريبة، وعرقلت تدفق الإمدادات من خارج المدينة، فيما يواجه سائقو شاحنات المياه مخاطر متزايدة دفعت بعضهم إلى مضاعفة الأسعار ثلاث مرات مقابل نقل المياه إلى المدينة.

وفي ظل تراجع مخزونات الوقود، تواجه مؤسسة المياه صعوبات في استمرار عملياتها المحدودة، بينما تعمل محطات التحلية دون طاقتها المعتادة، ما يضع السكان أمام خيارات قاسية بين تقليص الاستهلاك أو تحمل تكاليف إضافية لا تستطيع كثير من الأسر توفيرها.

وتكشف هذه التطورات هشاشة الوضع الإنساني في تعز، حيث تتداخل آثار الحرب وتضرر البنية التحتية والجفاف مع القيود المفروضة على حركة السكان والإمدادات. غير أن تشديد الحصار وعرقلة الوصول إلى مصادر المياه والإمدادات الأساسية يضاعفان معاناة السكان، ويحولان الاحتياج اليومي إلى أزمة تهدد الصحة العامة والاستقرار المعيشي.

ودعت منظمة العفو الدولية الحوثيين إلى فتح الطرق المؤدية إلى المدينة فورًا، محذرة من أن تعز تُدفع نحو حافة كارثة إنسانية جسيمة ، وفق ما أورده التقرير.

الغذاء والوقود.. أزمة تتسع

ولا تقف الأزمة عند المياه، إذ أدى نقص الوقود والمواد الغذائية إلى زيادة الضغوط على الأسر، في وقت تستقبل فيه محافظة تعز أعدادًا كبيرة من النازحين الفارين من القتال. ووفقًا لخبراء الهجرة التابعين للأمم المتحدة، استقبلت المحافظة نحو نصف إجمالي النازحين البالغ عددهم قرابة 124 ألف شخص منذ أغسطس، ما زاد الضغط على الموارد والخدمات المحدودة.

ونقل التقرير عن ينس لايركه، المتحدث باسم إحدى إدارات الأمم المتحدة المعنية بالمساعدات الطارئة، أن بعض الأسر النازحة تعيش في خيام وملاجئ بدائية، وتعتمد على وجبة واحدة يوميًا للبقاء على قيد الحياة.

كما ارتفع سعر غاز الطهي إلى أكثر من أربعة أضعاف مستواه السابق، وفق هاني بافقيه، خبير المياه والصرف الصحي والنظافة في منظمة كير الإغاثية في اليمن، الأمر الذي دفع بعض الأسر إلى استخدام الحطب والفحم والورق المقوى للطهي، بينما تراجعت قدرة المطابخ المجتمعية على تقديم وجبات ساخنة مجانية.

وحذّر لايركه من أن نقص الوقود ينعكس مباشرة على تشغيل مضخات المياه ومولدات المستشفيات وخدمات جمع النفايات، ما يؤدي إلى تراجع إمدادات المياه النظيفة وتراكم المخلفات، ويرفع مخاطر انتشار الأمراض، ومنها الكوليرا، خصوصًا مع اضطرار السكان إلى استخدام آبار غير محمية قد تكون مياهها ملوثة.

وفي سوق الغذاء، ارتفعت أسعار الدقيق والأرز بنحو 50% مقارنة بمستويات الصيف، بحسب منظمات إغاثية نقل عنها التقرير، فيما بات العثور على الفواكه والخضراوات أكثر صعوبة.

وتظهر شهادات السكان حجم الانهيار المعيشي؛ إذ قال أحمد عبد الجابر، الذي يعيش مع تسعة أفراد من أسرته في أنقاض مبنى بعد نزوحهم من منزلهم، إن الأسرة تعتمد بدرجة كبيرة على المساعدات والتبرعات لتوفير الطعام. كما فقدت هديل الشهيد دخلها بعد إغلاق صالونها، مع اضطرار الزبائن إلى توجيه ما لديهم من أموال نحو شراء الغذاء والمياه.

ضغط عسكري وكلفة يدفعها المدنيون

ويربط التقرير تفاقم الأزمة بالتطورات العسكرية حول تعز، التي لا تزال الحكومة اليمنية تسيطر على مركزها، بينما تحاول قواتها صد تقدم الحوثيين في التلال والمناطق المحيطة، وسط صعوبة إيصال الإمدادات إلى القوات الحكومية داخل المدينة.

وتكتسب تعز أهمية استراتيجية بسبب موقعها الذي يربط مناطق في شمال اليمن بجنوبه، فيما يرى محللون أن السيطرة عليها قد تفتح أمام الحوثيين مجالًا للتقدم باتجاه عدن ولحج. لكن أحمد ناجي، كبير المحللين في مجموعة الأزمات الدولية، قال إن محاولة السيطرة على أجزاء من المدينة أو الاستيلاء عليها بالكامل قد تتطلب معركة طويلة ومكلفة، مع خسائر بشرية كبيرة في صفوف القوات المهاجمة.

ونقل التقرير عن ثلاثة مسؤولين حوثيين قولهم إن الجماعة تسيطر على نحو 80% من المناطق الريفية المحيطة بتعز، إلى جانب أحياء داخل المدينة، لكنه أوضح أن الوكالة لم تتمكن من التحقق بصورة مستقلة من هذه التصريحات. وأشار التقرير إلى أن وزير الخارجية اليمني أقر بتزايد إحكام الحوثيين قبضتهم على المدينة.

وفي مؤشر إضافي إلى المخاطر التي تواجه المدنيين، أشار التقرير إلى أن صواريخ أطلقها الحوثيون أصابت منطقة سكنية في تعز في وقت سابق من الأسبوع، ما أدى إلى مقتل فتاتين مراهقتين.

ومع استمرار المواجهات وتشديد القيود على الطرق والإمدادات، يجد المدنيون أنفسهم عالقين بين خطر القصف وتدهور الخدمات وارتفاع تكاليف المعيشة، فيما لا تملك أسر كثيرة القدرة المالية على النزوح إلى مناطق أخرى.

وتختصر شهادة هديل الشهيد حجم المأزق الذي يواجه السكان، إذ قالت إن تكاليف السفر واستئجار منزل في محافظة أخرى تفوق إمكاناتها، مضيفة: لا مفرّ من البقاء في منزلنا، سواء كان ذلك مسألة حياة أو موت .

وتعكس أزمة تعز كيف تتجاوز كلفة الحرب خطوط المواجهة، لتصل إلى أبسط مقومات الحياة، وفي مقدمتها المياه والغذاء والرعاية الصحية. ومع استمرار الحصار وتراجع الإمدادات، تتزايد المخاوف من أن تتحول الأزمة المعيشية إلى كارثة صحية وإنسانية أوسع، يدفع المدنيون ثمنها الأكبر.