آخر الأخبار
أخبار محلية

مدارس الحوثي المغلقة وحروب التجريف المبكر.. كيف تحول مليشيا الحوثي طفولة اليمنيين إلى قنابل موقوتة؟

المنتصف نت- المنتصف نت 27/10/2026 13:06 322 مشاهدة
مدارس الحوثي المغلقة وحروب التجريف المبكر.. كيف تحول مليشيا الحوثي طفولة اليمنيين إلى قنابل موقوتة؟

​تواصل مليشيا الحوثي الإرهابية التمدد في عمق البنية الاجتماعية للجمهورية اليمنية، مستهدفة الحصن الأخير المتمثل في القطاع التربوي والتعليمي، من خلال إنشاء شبكة واسعة من "المدارس المغلقة" والمقرات الصيفية الخاصة البعيدة عن الرقابة المجتمعية والأسرية. ولم تكن هذه المدارس مجرد مؤسسات تعليمية بديلة، بل تحولت إلى مراكز تعبئة شمولية مغلقة تُدار بأساليب أمنية واستخباراتية معقدة. 
وفي هذه الفضاءات المغلقة، تخضع عقول الأطفال لعمليات تجريف ممنهجة للهوية الوطنية والجمهورية، وتبديلها بحديث الولاية والتكليف الإلهي ووجوب الانقياد المطلق لقيادة الجماعة. 
تشير المعطيات الميدانية والتقارير الحقوقية إلى أن هذه المدارس والمخيمات باتت الخزان البشري الأول الممول للجبهات؛ إذ تجري فيها عمليات تفكيك لروابط الطفل الأسرية، وعزله التام عن وسطه الطبيعي، ليعاد تشكيله كأداة قتالية طائعة تنفيذية بلا تفكير نقدي أو مساحة للمراجعة. وتتضاعف مخاطر هذه السياسة المليشياوية بالنظر إلى الفئة العمرية الأكثر استهدافاً (من 7 إلى 15 عاماً)، حيث يتم التعامل مع هذه المرحلة النمائية الحرجة بصفتها الأكثر طواعية للتشكيل وتشرّب الأيديولوجيا، بعيداً عن مدركات الخطر أو التمييز بين الحق والباطل. 
إن ما يدور خلف أسوار هذه المدارس المغلقة ليس مجرد تلقين عقائدي عابر، بل هو صناعة متكاملة لجيش عقائدي موازٍ يهدد السلم الأهلي ومستقبل الدولة اليمنية والمنطقة برمتها. "المنتصف" تسلط الضوء على ما يحدث داخل هذه الحصون المغلقة عبر هذا الاستطلاع الشامل.  

​الركيزة السياسية والإدارية: هندسة التجريف وهدم مفهوم المواطنة

​علي أحمد الجائفي (مسؤول محلي وناشط سياسي في أمانة العاصمة) قال: ​" المدارس المغلقة التي تستحدثها الجماعة الحوثية تشكل خطراً إستراتيجياً يهدد مدنية الدولة والهوية الجمهورية لليمنيين. ما تمارسه المليشيا في هذه المراكز هو عملية استبدال كاملة لمفهوم المواطنة المتساوية بنظام 'الولاية' والدعوة للاحتكار السلالي للسلطة. يتم عزل هؤلاء الأطفال عن المحيط التربوي الرسمي وعن أسرهم لأوقات طويلة  ليتم شحنهم بأدبيات أحادية تلغي الآخر وتعتبر كل مخالف مشروعاً للقتل أو التكفير. هذه المنظومة تُدار بإشراف قيادات عقائدية عالية المستوى، والهدف منها ليس التعليم وإنما إيجاد جيل منقاد كلياً ينفذ الأوامر دون مناقشة، مما يؤسس لصراعات أهلية طويلة المدى القادم."

​النبض الشعبي والشبابي: غسيل الأدمغة واغتيال براءة الأطفال

​خالد عبد الرزاق الحميري (ناشط شبابي وقيادي كشفي سابق) قال: ​"الخطورة تكمن في طريقة التلقين ونوعية المادة المقدمة؛ فالطفل في المدارس المغلقة يُحرم من المناهج المدرسية الطبيعية المعترف بها. يُفرض عليهم ملازم حسين الحوثي كمرجع حصري، وتُردد الصرخة كطقس يومي إجباري، إلى جانب الاستماع لزوامل الحرب والقتال على مدار الساعة. تتولى المليشيا تدمير الوعي الفطري للطفل، وإقناعه بأن غايته الأسمى في الحياة هي الموت والمشاركة فيما يسمونه 'الجهاد'. لقد رأينا أطفالاً يعودون من هذه المدارس المغلقة وهم ينظرون حتى لآبائهم وأمهاتهم بنظرة الشك والاتهام بالتقصير العقائدي، في سلوك يمزق النسيج المجتمعي والأسر اليمنية."

​الحضور النسوي والريادة المجتمعية: انتزاع الأطفال واستغلال حاجة الأسر

​د. أسماء عبد الله السفياني (أكاديمية وباحثة في الشؤون الاجتماعية وحقوق الطفل) قالت:​"استهداف الفئة العمرية من 7 إلى 15 عاماً بالتحديد هو اختيار مدروس نفسياً وعصبيًا؛ فهذه المرحلة هي مرحلة التكوين الوجداني وتشكيل الشخصية. الطفل في هذا السن يسهل استدراجهم عبر الأنشطة الرياضية أو الإغراءات المالية الزائفة المقدمة للأسر الأشد فقراً. في المدارس المغلقة، يُمارس عليهم عزل نفسي هائل، وتُعرض عليهم مقاطع فيديو حربية مشحونة بالدماء والعنف، ويتم توجيه عواطفهم الغضة نحو التضحية بالذات.
المليشيا تستغل غياب الوعي والظروف الاقتصادية الصعبة لتنتزع الطفل من حضن أسرته وتجعله مهيئاً تماماً للانتقال المباشر من مقاعد الدراسة إلى جبهات القتال."

​المؤسسة العسكرية والأمنية: من التعبئة الفكرية إلى معسكرات التدريب

​العميد المتقاعد عبد الله بن سالم المأربي (خبير عسكري واستراتيجي) قال:​"المدارس المغلقة الحوثية ليست مراكز تعليمية بل هي معسكرات إعداد وتجنيد أولي. المسار داخل هذه المدارس مقسم بدقة: يبدأ بالتعبئة الفكرية العقائدية، ثم ينتقل سريعا إلى التدريب الميداني على استخدام الأسلحة الخفيفة والمتوسطة، وتفكيك القنابل، وفنون الاختفاء والمداهمة. اختيار الفئة العمرية من سن 7 إلى 15 سنة يهدف لخلق جيل مقاتل لا يعرف عن الحياة سوى السلاح؛ فالطفل في هذا السن يمتلك طاقة تنفيذية عالية ولا يدرك حجم المخاطر أو قيم السلامة. الحوثيون يعوضون خسائرهم البشرية المتواصلة في الجبهات بضخ هؤلاء الأطفال الذين يتم تحويلهم إلى وقود مباشر للمعارك."

​القطاع الاقتصادي والتجاري: تدمير رأس المال البشري ومستقبل التنمية

​أمين محمد الشميري (رجل أعمال وعضو غرفة تجارية) قال: ​"أي مجتمع يسعى لبناء مستقبله يستثمر في تعليم أطفاله العلوم الحديثة والتكنولوجيا واللغات، ولكن المليشيا تفعل العكس تماماً. تحويل آلاف الأطفال من مقاعد العلم إلى المدارس المغلقة الطائفية يعني إخراج جيل كامل من دائرة الإنتاج والتنمية وتأهيل سوق العمل. 
هؤلاء الأطفال حين يفتقرون للمعارف العلمية والمهارات الحديثة، سينتهون إلى البطالة والجهل، مما يجعلهم معتمدين كلياً على التجنيد والسلاح كمصدر دخل وحيد. هذا النمط يدمير اقتصاد البلاد ويحرم اليمن مستقبلاً من الكوادر البشرية المؤهلة للبناء والإعمار."

​البعد الثقافي والتنموي: تفخيخ المستقبل والتهديد الإقليمي

​د. عبد الرحمن سعيد باوزير (كاتب ومؤرخ يمني) قال: ​"ما تقوم به المليشيا في هذه الدورات المغلقة هو زرع 'قنابل موقوتة' في جسد الوطن والمنطقة. التلقين الحوثي لا يتوقف عند الحدود الوطنية، بل يغرس في عقول الصغار العداء للعالم والمحيط العربي، ويزرع مفاهيم الصراع الدائم.
إن مخرجات هذه المدارس هي إنتاج أفراد يمارسون القمع بدافع 'التكليف الإلهي'. هذا التجريف الفكري والثقافي يهدد بإطالة أمد الصراع لعقود قادمة حتى بعد انتهاء الحرب العسكرية، لأننا سنكون أمام أجيال مُشبعة بفكر الإلغاء والعنف، مما يحتم على المجتمع الدولي والجهات الوطنية تدارك هذا الخطر الداهم."

الختام:
​إن ما يحدث داخل المدارس المغلقة التابعة لمليشيا الحوثي يتجاوز حدود الانتهاك الحقوقي العابر؛ إنه مخطط ممنهج لإعادة تشكيل هوية المجتمع اليمني وتفخيخ مستقبله بعقول صغيرة أُفرغت من العلم والبراءة وعبئت بثقافة الموت والكراهية.
إن حماية أطفال اليمن من مسالخ التجنيد العقائدي تتطلب موقفا وطنياً ودولياً حازماً ينقذ أجيال المستقبل قبل فوات الأوان.