لم تعد التغييرات العسكرية الأخيرة في جبهات تعز ولحج مجرد قرارات لتدوير القيادات أو إعادة توزيع المناصب، بل أصبحت اختباراً جدياً لقدرة مجلس القيادة الرئاسي ووزارة الدفاع على تصحيح الاختلالات العسكرية، واستعادة زمام المبادرة بعد الانتكاسات الميدانية التي شهدتها مناطق الحجرية والمقاطرة والتربة. والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم: هل ما زال هناك متسع من الوقت لتبرير التأخر في استعادة ريف تعز وفك الحصار عن المدينة، أم أن المرحلة تقتضي الانتقال من إدارة التراجعات إلى صناعة الانتصارات؟
جاء القراران الرئاسيان رقما (246) و(247) لسنة 2026 ليحملا مؤشرات على توجه لإعادة ترتيب القيادة العسكرية في هذه الجبهات. فقد شمل القرار الأول تعيين اللواء رشاد أحمد إسماعيل اليوسفي عضواً في اللجنة العسكرية العليا ومسؤولاً عن جبهة تعز، خلفاً للواء يوسف الشراجي، فيما قضى القرار الثاني بإعادة تشكيل قيادة محور طور الباحة، بتعيين اللواء مجدي مناضل ثابت أحمد قائداً للمحور وقائداً للواء الأول قوات درع الوطن، وتعيين العقيد بسام عبده سعيد الحرق رئيساً للأركان وقائداً للواء الرابع مشاة جبلي، والعميد الركن ناجي مقبل الشطاف رئيساً للعمليات، خلفاً للقيادة السابقة برئاسة أبو بكر الجبولي.
وتكتسب هذه التغييرات أهميتها من طبيعة المناطق التي تشهد إعادة ترتيب القيادة، وليس من الأسماء والمناصب وحدها، فمحور طور الباحة يمثل امتداداً عسكرياً وجغرافياً مهماً لجبهات تعز و الساحل الغربي وطور الباحة ومحافظة لحج، والتداخل بين مسؤولياتها وجبهات الحجرية والمقاطرة يجعل أي خلل في القيادة أو التنسيق ذا انعكاسات مباشرة على أمن المناطق المحاصرة ومواقع القوات الحكومية وصولا الى العاصمة المؤقتة عدن.
لقد كشفت الانتكاسات الأخيرة أن المشكلة لا تتعلق فقط بخسارة مواقع عسكرية، وإنما بمدى كفاءة منظومة القيادة والسيطرة، ومستوى التنسيق بين المحاور والتشكيلات العسكرية، وقدرتها على إدارة المعركة وتأمين خطوط الإمداد والاحتفاظ بالمواقع الاستراتيجية، ولذلك فإن تغيير القيادات ينبغي أن يكون بداية لمراجعة عسكرية شاملة، لا مجرد معالجة إدارية لنتائج الإخفاق.
وفي هذا السياق، فإن إسناد قيادة محور طور الباحة إلى شخصية مرتبطة بقوات درع الوطن، بالتزامن مع الحضور الميداني لقوات العمالقة ودرع الوطن، يحمل دلالات تتعلق بإعادة توزيع المسؤوليات ومراكز الثقل العسكري. كما أن تعيين مسؤول جديد لجبهة تعز وعضويته في اللجنة العسكرية العليا قد يتيح مستوى أوسع من التنسيق والإشراف على التشكيلات العسكرية، شريطة أن تكون الصلاحيات واضحة والقرار العسكري موحداً.
لكن التحدي الحقيقي يبدأ من الميدان. فاستعادة المواقع التي فقدتها القوات الحكومية في الحجرية والمقاطرة، وتأمين التربة ومحيطها، ليست أهدافاً محلية معزولة، بل ترتبط بمستقبل معركة تعز، وإعادة فتح الطرق والمنافذ، وإنهاء الحصار الذي عانى منه ملايين السكان لسنوات. كما أن استعادة المبادرة في هذه الجبهات من شأنها تغيير الحسابات العسكرية للحوثيين، والحد من قدرتهم على استخدام تعز ورقة ضغط على الحكومة والشرعية.
ولا يمكن فصل هذه التطورات عن البعد الإقليمي؛ فتعز ولحج تقعان ضمن نطاق جغرافي شديد الحساسية، يتصل بالساحل الغربي ومضيق باب المندب وخطوط الملاحة الدولية. ومن ثم فإن استقرار الجبهات وتوحيد القوات الحكومية لا يخدمان الأمن المحلي فحسب، بل يعززان قدرة الدولة اليمنية على حماية مصالحها الاستراتيجية وممراتها البحرية.
ومع ذلك، ينبغي ألا تتحول التغييرات إلى صراع نفوذ بين التشكيلات العسكرية أو إعادة إنتاج لمراكز قوة متنافسة، فوجود العمالقة ودرع الوطن والقوات التابعة للمحاور المختلفة يمكن أن يمثل إضافة مهمة إذا جرى دمج جهودها ضمن قيادة عملياتية موحدة بعيدا عن الحسابات الضيقة التي تستفيد منها مليشيات الحوثي وتوسع سيطرتها باستخدام الارتباك وعدم التنسيق...الخ من اسباب سقوط المواقع والاتسحابات المتكررة دون قتال يذكر، لكنه قد يتحول إلى مصدر جديد للاختلال إذا استمرت ازدواجية القرار وتداخل الصلاحيات.
أما تحميل القيادات السابقة مسؤولية التراجعات الميدانية، فيجب أن يخضع لتقييم عسكري وتحقيق مهني شفاف، يحدد أسباب الانسحابات وخسارة المواقع، ويميز بين الإخفاق القيادي والظروف الميدانية، ويحاسب كل من يثبت تقصيره أو مخالفته للأوامر العسكرية. فالمحاسبة ليست تصفية حسابات سياسية، وإنما شرط لاستعادة الثقة والانضباط داخل المؤسسة العسكرية.
إن ما تحتاجه تعز اليوم ليس مزيداً من التبريرات، ولا الاكتفاء بتغيير القادة، وإنما قرار عسكري وسياسي واضح يترجم هذه التغييرات إلى نتائج على الأرض، فاستعادة ريف تعز وتأمين الحجرية والمقاطرة والتربة، ثم فك الحصار عن المدينة، يجب أن تتحول إلى أولويات عملية ذات جدول زمني ومسؤوليات محددة، لا أن تبقى وعوداً مؤجلة.
لقد أُتيحت للقيادة السياسية والعسكرية فرصة جديدة لإعادة ترتيب الصفوف وتصحيح مسار المعركة، لكن هذه الفرصة لن تبقى مفتوحة إلى ما لا نهاية، خصوصاً أن استمرار التراجع يمنح الحوثيين فرصة لتعزيز مواقعهم وفرض وقائع عسكرية وسياسية جديدة.
فهل تكون التغييرات الأخيرة بداية لاستعادة المبادرة وتحرير ريف تعز وفك الحصار عن المدينة، أم نكون أمام جولة أخرى من تغيير الأسماء والمناصب دون تغيير واقع الجبهات؟
هذا هو السؤال الذي ينبغي أن تجيب عنه القيادة العسكرية في الميدان، لا في البيانات والقرارات.
ومحلل سياسي يمني