آخر الأخبار
وزارة التخطيط: الحوثيون يستخدمون مبنى أممي في المخا لإطلاق الصواريخ وتهديد الملاحة   •   ميون لحقوق الإنسان تطلق حملتها أطفال لا جنود دعت كل ناشطي المجتمع المدني للمشاركة   •   صحيفة بريطانية: العليمي يعيد ترتيب حكومته وجيشه وسط اتهامات بالفشل العسكري وتصاعد التوترات الجنوبية   •   اللجنة الوطنية للمرأة تختتم دورة التدريبية لبناء قدرات النساء الحزبيات في #عدن   •   وزير الدولة لشؤون المرأة يشارك في منتدى التمكين الاقتصادي للمرأة 2026 بباريس   •   الجمارك و"اليونيسيف" تبحثان حل الإعفاءات المعلقة.. وتأكيد أممي على الانتقال إلى عدن   •   توابل تمنح الجسم الدفء وتعزز الهضم خلال فصل الشتاء   •   الرئيس الزُبيدي يعين عماد صالح مديرا لمكتب القائد الأعلى للقوات الجنوبية   •   إلغاء عقد رياضية إسرائيلية مع فريق بريطاني بسبب حرب الإبادة على غزة   •   بتوجيهات وزير الصحة.. الإمداد الدوائي يعزز مستشفيات عدن والضالع بالأدوية والمستلزمات الطبية لمعالجة الجرحى   •  
أخبار محلية

من "عاصفة الحزم" إلى "فجر اليمن".. 11 عاماً من الحرب ومعضلة الجيش الغائب

من "عاصفة الحزم" إلى "فجر اليمن".. 11 عاماً من الحرب ومعضلة الجيش الغائب

تكشف المقارنة بين شهر من عمر عملية "فجر اليمن" العسكرية، التي أطلقها رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي في أكتوبر/تشرين الأول 2026، وأكثر من 138 شهراً على انطلاق "عاصفة الحزم" بقيادة المملكة العربية السعودية في مارس/آذار 2015، عن مفارقة جوهرية في الأزمة اليمنية: كيف عجز معسكر يمتلك الاعتراف الدولي والدعم الإقليمي والإمكانات العسكرية عن حسم معركته مع الحوثيين، رغم مرور أكثر من أحد عشر عاماً على بدء التدخل العسكري؟

فالأهداف المعلنة للعمليتين تتطابق: إنهاء الانقلاب، واستعادة صنعاء، وإعادة مؤسسات الدولة إلى سلطتها الشرعية. لكن حصيلة الحرب لم تعكس تقدماً يتناسب مع حجم الإمكانات المحشودة، بل كشفت عن اختلالات سياسية وعسكرية مكّنت مليشيا الحوثي السلالية من تعزيز قدراتها وتوسيع نفوذها، مستفيدة من انقسامات خصومها.

ولم تكن المعضلة الأساسية نقص السلاح أو غياب الدعم الخارجي، بقدر ما تمثلت في غياب المشروع الوطني الموحد، وتضارب أجندة القوى المشاركة، وتعدد مراكز القرار والولاء، وتحول تشكيلات عسكرية إلى كيانات ذات مرجعيات مستقلة بدلاً من الاندماج في مؤسسة وطنية واحدة.

تحالف متعدد الأهداف

بدأت "عاصفة الحزم" تدخلاً عسكرياً واسعاً بمشاركة دول عربية، دعماً للحكومة اليمنية المعترف بها دولياً واستعادة مؤسسات الدولة. غير أن تباين الحسابات السياسية والأمنية للدول المشاركة انعكس على مسار الحرب، وأفرز مراكز نفوذ وقوى عسكرية مختلفة المرجعيات.

فبدلاً من توحيد التشكيلات المسلحة ضمن مؤسسة عسكرية وطنية، شهدت المناطق المحررة نشوء قوى متعددة، ارتبط بعضها بأطراف دولية مختلفة، واحتفظ بمرجعيات سياسية ومصادر تمويل وشبكات نفوذ مستقلة.

ومع مرور الوقت، تحولت الخلافات إلى صدامات مسلحة بين قوى تنتمي نظرياً إلى المعسكر نفسه، خصوصاً بعد تحرير عدن ومحافظات جنوبية عام 2015، حيث تصاعد التنافس على النفوذ والسيطرة، بالتزامن مع تراجع زخم العمليات لاستعادة المحافظات الشمالية.

وأدى تعدد الرعاة الخارجيين وتباين أولوياتهم إلى إضعاف سلطة الحكومة، وصعود تشكيلات عسكرية وأمنية موازية احتفظ بعضها باستقلالية واسعة في القرار والتمويل والتوجيه، رغم ارتباطه شكلياً بالمؤسسات الرسمية.

وهكذا، لم يعد المعسكر المناهض للحوثيين يواجه خصمه بقوة موحدة، بل بمراكز نفوذ تتقاطع مصالحها أحياناً وتتعارض أحياناً أخرى، ما عرقل توحيد القرار الميداني وإدارة العمليات المشتركة. 

الحديدة.. حين أوقف الاتفاق اندفاعة الميدان

مثّلت معركة الساحل الغربي عام 2018 محطة كاشفة للتداخل بين الحسابات العسكرية والسياسية داخل المعسكر المناهض لمليشيا الحوثي.

فقد حققت القوات المشتركة تقدماً باتجاه مدينة الحديدة ومينائها، في تطور هدد أحد أهم المنافذ الاستراتيجية التي تعتمد عليها المليشيا اقتصادياً وعسكرياً. لكن التقدم توقف عقب اتفاق استوكهولم في ديسمبر/كانون الأول 2018، برعاية الأمم المتحدة، والذي نص على وقف إطلاق النار وإعادة انتشار القوات في المدينة وموانئها.

وبصرف النظر عن الاعتبارات الإنسانية والضغوط الدولية التي أحاطت بالمفاوضات، كانت النتيجة الميدانية تجميد جبهة الحديدة ووقف اندفاعة القوات، وبقاء المدينة ومينائها تحت سيطرة مليشيا الحوثي.

وكشفت هذه المحطة الفجوة بين التقدم العسكري والتوافق السياسي، وأظهرت أن المكاسب الميدانية تظل عرضة للتراجع في غياب استراتيجية مشتركة تربط متطلبات المعركة بالحسابات السياسية للأطراف المشاركة.

استثمار الانقسام وإعادة بناء القوة

في المقابل، استثمرت مليشيا الحوثي جولات القتال وفترات التهدئة في إعادة تنظيم قواتها، وتوسيع التجنيد والتعبئة، وتطوير قدراتها الصاروخية والطائرات المسيّرة، وتعزيز منظومتها الأمنية والعسكرية، مستفيدة من الدعم الإيراني والخبرات العسكرية والتقنية المرتبطة به. 

وبينما انشغل خصومها بالخلافات السياسية وتوزيع النفوذ، عملت المليشيا الحوثية المدعومة من إيران على تعزيز مركزية قرارها العسكري وتطوير منظومة القيادة والسيطرة وتراكم الخبرات القتالية، بما أتاح لها استغلال فترات التوقف لإعادة بناء قدراتها.

وتتجلى المفارقة في تمكن المليشيا من الحفاظ على قدر من التماسك في بنيتها العسكرية، رغم افتقارها إلى الاعتراف الدولي وخسارتها مواقع في مراحل مختلفة، مقابل إخفاق خصومها في تحويل إمكاناتها المتعددة إلى قوة وطنية متكاملة.

ولا يرتبط هذا التباين بعامل واحد، بل بتداخل مركزية القرار لدى الحوثيين مع تعدد مراكز القرار لدى خصومهم، واختلاف مرجعيات التشكيلات المسلحة ومصادر تمويلها وتسليحها وتوجيهها.

جبهات متفرقة بلا استراتيجية موحدة

بين عامي 2019 و2022، شهدت جبهات مأرب والجوف والبيضاء وتعز مواجهات عنيفة، حققت خلالها القوات الحكومية تقدماً في بعض المراحل، وتعرضت لانتكاسات في مراحل أخرى.

لكن المشكلة لم تكن في تعدد الجبهات، بل في العجز عن إدارتها ضمن استراتيجية عسكرية متزامنة توزع الضغط على الحوثيين وتمنعهم من تركيز قواتهم على محور واحد.

ففاعلية الجيوش متعددة الجبهات، وفقا لخبراء استراتيجيين، لا تقاس بعدد الألوية والكتائب، وإنما بقدرتها على توحيد القرار وتنسيق العمليات وتبادل المعلومات وإدارة الإمداد والإسناد وتوزيع الاحتياطيات وفق مقتضيات المعركة.

أما عندما تحتفظ كل قوة بمرجعيتها وقرارها المستقل، فإن التنسيق يصبح أكثر تعقيداً، وتتحول الجبهات إلى محاور منفصلة تتفاوت فيها الجاهزية ومستويات الإسناد، بما يتيح للحوثيين استغلال تجزئة المواجهة وتركيز جهودهم على الجبهات الأكثر أهمية.

وتكشف التطورات العسكرية خلال عام 2026 أن هذه الاختلالات لم تكن مشكلات إدارية عابرة، بل أزمة بنيوية في تشكيل القوات المناهضة للحوثيين وطبيعة قيادتها.

"فجر اليمن".. اختبار أمام إرث الانقسامات

مع إطلاق عملية “فجر اليمن” في أكتوبر 2026، عاد هدف استعادة صنعاء إلى الواجهة، وسط تطلعات لتغيير موازين القوى بعد سنوات من الجمود. لكن إطلاق عملية جديدة لا يعني تجاوز الاختلالات السابقة، فالسؤال قائم منذ سنوات: من يملك القرار العسكري؟ ومن يحدد أولويات الجبهات؟ ولمن تخضع التشكيلات عند تعارض الأوامر مع حسابات القوى السياسية والداعمة؟ 

هذه محددات أساسية للفاعلية، إذ لا يمكن بناء استراتيجية متكاملة مع تعدد المرجعيات ومراكز القرار، ولا ضمان استدامة المكاسب مع استقلالية تشكيلات عن القيادة الرسمية. لذا يتوقف نجاح العملية على معالجة أصل الأزمة: توحيد القرار وإنهاء ازدواجية الولاءات وإخضاع القوات لسلطة الدولة.

تعز.. أزمة تعدد المرجعيات

تقدم جبهات تعز نموذجاً لأزمة تعدد القيادات والولاءات داخل المعسكر المناهض للحوثي، مع تنوع التشكيلات واختلاف مرجعياتها السياسية وجهات تمويلها وتوجيهها. 

وتحتل المحافظة أهمية استراتيجية بحكم موقعها واتصالها بالساحل الغربي وباب المندب، وكونها ساحة مواجهة بارزة، لكن جبهاتها تعاني اختلالات التنسيق وتباين الأولويات وتداخل الصلاحيات. 

ولم تقتصر التداعيات على تعثر العمليات، بل امتدت إلى انسحابات متكررة من مواقع قتالية على خلفية خلافات ومماحكات وحسابات نفوذ ومرجعيات سياسية، ما قد يترك فراغات يستفيد منها الحوثيون ويربك الخطط ويهدد الثقة بين القوات. 

وفي جبهة يفترض أن تتصدر أولوياتها حماية المدنيين وفك الحصار، يصبح الانشغال بصراعات النفوذ عاملاً في إطالة المواجهة. فالتعدد ليس مشكلة بذاته ما دام تحت قيادة واحدة، لكنه يصبح مصدر ضعف مع تعدد المرجعيات وغياب سلطة عسكرية حاسمة.

جيوش داخل الدولة

ويتفق المحللون والخبراء العسكريون على أن سنوات الحرب كشفت أن أزمة المؤسسة العسكرية اليمنية لا تكمن في تعدد التشكيلات بحد ذاته، بل في تحولها إلى مراكز متنافسة للقيادة والقرار والولاء. فالجيش الوطني يقوم على تسلسل قيادي واضح، وعقيدة عسكرية موحدة، وولاء للدولة، لا لقائد أو حزب أو جهة ممولة.

وأكدوا أن الحرب أفرزت تشكيلات احتفظ بعضها بمرجعيات سياسية وعلاقات خارجية واستقلالية في اتخاذ القرار، رغم إدراجها ضمن الهياكل الرسمية للدولة. 

وشددوا على أن معالجة هذه الاختلالات تقتضي إعادة بناء المؤسسة العسكرية على أسس وطنية ومهنية، وتوحيد القيادة والتسليح والإمداد والرواتب والتدريب، وإخضاع جميع القوات لسلطة وزارة الدفاع وهيئة الأركان، بما يمكّن الدولة من استعادة احتكار القوة.

الجيوش المتنازعة لن تحرر صنعاء

بعد أكثر من 11 عاماً على "عاصفة الحزم"، وشهر على "فجر اليمن"، لم تعد الأزمة اليمنية مجرد مواجهة عسكرية بين الحكومة ومليشيا الحوثي، بل أزمة دولة ومؤسسات وقرار سيادي انعكست على تماسك الجيش.

وفي هذا السياق، تقدم الانسحابات من تعز مثالاً على كلفة تعدد المرجعيات العسكرية، إذ تغلّب حسابات القيادات على مقتضيات المعركة، وتتحول الخلافات إلى ثغرات يستفيد منها الخصم. فالجيوش تُبنى بوحدة القيادة والعقيدة والتسلسل القيادي، لا بجمع الألوية تحت مسمى وزارة الدفاع. ولا يمكن مطالبة الجنود بالصمود بينما تتنازع القيادات على القرار.

وعليه، فإن صنعاء تحتاج إلى جيش وطني حقيقي وقيادة واحدة وقرار موحد، فالمعركة بقوات متعددة الولاءات لا تحقق دولة موحدة، وما لم تُحسم معضلة تعدد القيادات ستتكرر إخفاقات الماضي، فيما يستثمر الحوثيون الانقسامات لإطالة الحرب.