أكدت الحائزة على جائزة نوبل للسلام توكل كرمان أن الميليشيات الحوثية المدعومة والمدارة من إيران قد تتمكن من احتلال المدن لكنها لن تستطيع إلى الأبد احتلال مستقبل شعب مصمم على الحرية مشددة على أن أحلام الشعوب أطول عمراً من أسلحة الطغاة.
وقالت كرمان، في كلمة ألقتها خلال قمة «عالم واحد للشباب» المنعقدة في مدينة كيب تاون بجنوب أفريقيا إن اليمن شهد ثورة سلمية حلمت ببناء دولة ديمقراطية تقوم على المواطنة المتساوية والحرية وسيادة القانون قبل أن يأتي الانقلاب والحرب وتستولي ميليشيا الحوثي على المدن.
وأضافت أنها شهدت شباباً يواجهون الخوف والرصاص بأصواتهم، ونساءً يتقدمن الصفوف نحو مستقبل أفضل، مؤكدة أن التجربة اليمنية تثبت أهمية المقاومة السلمية وقوة الشباب وإرادة الشعوب التواقة للحرية.
وشددت كرمان على أن الحرية تُنتزع بالشجاعة، لكنها تُصان بالعدالة والمؤسسات القوية، مستحضرة تجربة الزعيم الجنوب أفريقي الراحل نيلسون مانديلا، الذي انتصر على القهر وإغراء الانتقام، وترك درساً خالداً في النضال من أجل الحرية والعدالة.
وفي سياق حديثها عن الديمقراطية، أشارت إلى التحولات السياسية الأخيرة في الولايات المتحدة، معتبرة أن مشاركة الناخبين الشباب ودورهم في تغيير موازين القوى داخل الكونغرس يمثلان درساً للعالم، مفاده أنه لا رئيس فوق الدستور، ولا حزب يمتلك وطناً، ولا ينبغي لأي قائد أن يكون بمنأى عن المساءلة الديمقراطية.
وأكدت أن الفوز في الانتخابات ليس شيكاً على بياض، بل مسؤولية تقتضي خدمة الشعب وحماية المؤسسات والاستماع إلى جميع المواطنين، مشيرة إلى أن أعظم انتصار للديمقراطية يتحقق عندما يثبت الشعب أن السلطة ملك له، وأن من حقه تغيير خياراته سلمياً.
وتطرقت كرمان إلى قضايا الشباب والتحديات العالمية، بما فيها الأمن الغذائي وفرص العمل والتكنولوجيا وسلامة النساء والسلام، مؤكدة ضرورة وضع كرامة الإنسان في قلب السياسات والاقتصاد والتكنولوجيا.
وحذرت من مخاطر توظيف الذكاء الاصطناعي في تقويض الديمقراطية أو تركيز الثروة في أيدي قلة، داعية إلى تسخير التكنولوجيا لخدمة الإنسانية وتوسيع فرص التعليم والرعاية الصحية، ومشددة على ضرورة عدم منح أي آلة سلطة مستقلة لاتخاذ قرارات تتعلق بحياة البشر وموتهم.
كما دعت إلى تمكين الشباب الأفريقي من صناعة مستقبل قارته، وتسخير ثرواتها لخدمة شعوبها، والاستثمار في التعليم والابتكار والعدالة والمؤسسات الديمقراطية، بعيداً عن أشكال الاستغلال التي تتخفى تحت مسمى الشراكة.
ووجهت كرمان رسالة إلى قادة الأعمال والشركات المشاركين في القمة، دعتهم فيها إلى الاستثمار في رواد الأعمال الشباب، وتوفير الوظائف اللائقة، وتمكين النساء وحماية العمال، وتطوير تكنولوجيا مسؤولة، والدفاع عن سيادة القانون وحقوق الإنسان.
وأكدت أن الديمقراطية ليست عائقاً أمام الأعمال والاستثمار، بل أساس الازدهار المستدام، وأن الإرث الحقيقي للشركات لا يُقاس بحجم الثروة التي راكمتها فحسب، وإنما بالفرص التي أتاحتها والكرامة التي حمتها والمستقبل الذي أسهمت في بنائه.
وفي الشأن الدولي، أكدت كرمان أن شعوب فلسطين والسودان واليمن وأوكرانيا تستحق الحرية والكرامة والأمان، وقالت إن أطفال غزة يستحقون الحياة والنشأة بحرية بعيداً عن القنابل والحصار، وإن الشعب السوداني يستحق نهاية للحرب وحكومة مدنية ديمقراطية، فيما يستحق الشعب اليمني استعادة دولته وإنهاء حكم الميليشيات وبناء مستقبل ديمقراطي.
وشددت على أن حقوق الإنسان لا ينبغي أن تتوقف على الجغرافيا أو الجنسية، ولا أن يتحدد تطبيق القانون الدولي بحسب هوية الضحية أو قوة المعتدي، داعية إلى إنهاء الإفلات من العقاب واستعادة دور الدبلوماسية والمؤسسات الدولية في منع الحروب ومحاسبة مرتكبي الانتهاكات.
واختتمت كرمان كلمتها بدعوة قادة الشباب إلى تحويل مخرجات القمة إلى خطوات عملية وشراكات ومبادرات مؤثرة، وعدم الاكتفاء بالخطب والوعود، وحثتهم على الدفاع عن حرية الآخرين وبناء المؤسسات التي تصنع مستقبل الأجيال القادمة.
وقالت: «المستقبل ليس شيئاً ننتظره، بل شيئاً نمتلك الشجاعة لصناعته، وهذا المستقبل يبدأ بنا».