أخبار محلية

بين لهيب الصيف وظلام الكهرباء.. طلاب الثانوية العامة في عدن يخوضون امتحاناً في الصبر قبل العلم

الامين برس 06/06/2026 16:14 327 مشاهدة
بين لهيب الصيف وظلام الكهرباء.. طلاب الثانوية العامة في عدن يخوضون امتحاناً في الصبر قبل العلم

يخوض طلاب الثانوية العامة في العاصمة عدن ومحافظات الجنوب هذا العام واحدة من أصعب المراحل الدراسية في تاريخهم، وسط ظروف إنسانية ومعيشية بالغة القسوة فرضتها أزمة الكهرباء الخانقة، والانهيار الاقتصادي المتسارع، وارتفاع درجات الحرارة إلى مستويات غير مسبوقة، حولت المذاكرة والمراجعة وأداء الامتحانات إلى معركة يومية من أجل الصمود أكثر منها رحلة نحو النجاح والتفوق.

ويواجه آلاف الطلاب والطالبات امتحانين في آن واحد؛ امتحاناً أكاديمياً داخل قاعات الاختبار يحدد مستقبلهم العلمي، وامتحاناً آخر أشد قسوة في منازلهم وأحيائهم وشوارعهم، حيث يمتد الظلام لساعات طويلة، وتتفاقم حرارة الصيف اللاهبة، وتتراجع الخدمات الأساسية التي يحتاجها أي طالب ليتمكن من التركيز والاستعداد لهذه المرحلة المصيرية.

ومع اقتراب موعد الامتحانات وبدء العد التنازلي لأهم محطة تعليمية في حياة الطلاب، كانت الآمال تتجه نحو توفير الحد الأدنى من الظروف المناسبة للمراجعة والاستذكار، غير أن الواقع جاء أكثر قسوة مما توقعه الجميع، لتتحول أيام الاستعداد إلى رحلة شاقة من المعاناة اليومية لا يدرك تفاصيلها وحجم آثارها النفسية والإنسانية إلا من يعيشها أو يرافق طالباً يخوض هذه التجربة الصعبة في ظل واحدة من أسوأ أزمات الكهرباء التي تشهدها عدن ومحافظات الجنوب خلال السنوات الأخيرة.


ـ عشرون ساعة من الإطفاء ومصير آلاف الطلاب على المحك

في معظم أحياء العاصمة عدن، بات انقطاع الكهرباء لساعات طويلة أمراً معتاداً، حيث تصل فترات الإطفاء في كثير من الأحيان إلى ما يقارب عشرين ساعة يومياً مقابل ساعات تشغيل محدودة لا تتجاوز الساعتين في أفضل الأحوال.

هذه الساعات الطويلة من الظلام لا تعني فقط توقف المراوح وأجهزة التكييف، بل تعني أيضاً توقف حياة كاملة داخل المنازل، خصوصاً بالنسبة للطلاب الذين يحتاجون إلى أجواء هادئة ومستقرة تساعدهم على المراجعة والتحضير للامتحانات.

ومع حلول الليل، تغرق الأحياء السكنية في ظلام دامس، بينما يحاول الطلاب قراءة كتبهم على ضوء الهواتف المحمولة أو المصابيح البسيطة، قبل أن تنفد البطاريات ويجدوا أنفسهم عاجزين حتى عن رؤية صفحات الكتب التي يحملونها بين أيديهم.

وتتحول ساعات الليل التي يفترض أن تكون فرصة ذهبية للمراجعة والاستذكار إلى ساعات من القلق والتوتر والإرهاق، في ظل حرارة مرتفعة تجعل النوم نفسه أمراً بالغ الصعوبة.


مستقبل علمي مهدد

لا تقف آثار أزمة الكهرباء عند حدود الراحة الجسدية أو المعاناة النفسية، بل تمتد لتطال مستقبل الطلاب العلمي بشكل مباشر.

فالطالب الذي يقضي ساعات طويلة في الحر الشديد دون نوم كافٍ، أو يحرم من المراجعة الليلية بسبب الظلام، أو يعجز عن التركيز نتيجة الإرهاق والتعب، لا يمكن أن يكون في الظروف نفسها التي يعيشها طالب تتوفر له بيئة مناسبة للدراسة.

وتؤكد العديد من الأسر أن أبناءها أصبحوا يعانون من تراجع القدرة على التركيز والاستيعاب والحفظ، نتيجة الضغوط المتراكمة التي فرضتها أزمة الكهرباء وتدهور الخدمات.

ويخشى كثير من أولياء الأمور أن تنعكس هذه الظروف القاسية على نتائج أبنائهم ومستقبلهم الجامعي، خاصة أن الثانوية العامة تمثل نقطة تحول مصيرية تحدد مسار الطالب العلمي والمهني لسنوات طويلة قادمة.

فكيف يمكن الحديث عن تكافؤ الفرص التعليمية بينما يراجع بعض الطلاب دروسهم في أجواء طبيعية، فيما يواجه طلاب عدن ومحافظات الجنوب الحر والظلام وانعدام الخدمات الأساسية؟


ـ استدانوا لشراء الطاقة الشمسية لكن المعاناة مستمرة

على مدى السنوات الماضية، لجأت آلاف الأسر إلى البحث عن حلول بديلة لأزمة الكهرباء، وكان الخيار الأكثر انتشاراً هو شراء منظومات الطاقة الشمسية، لكن هذه الخطوة لم تكن سهلة على الإطلاق. فكثير من الأسر اضطرت إلى الاستدانة أو الاقتراض أو بيع بعض ممتلكاتها ومدخراتها لتوفير تكلفة الألواح الشمسية والبطاريات، أملاً في تخفيف معاناة أبنائها وتأمين الحد الأدنى من احتياجات الحياة اليومية.

وفي المقابل، عجزت أسر كثيرة عن شراء أي منظومة بسبب الانهيار الاقتصادي وارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية للمواطنين. ورغم التكاليف الباهظة التي تحملتها الأسر، فإن الأزمة الحالية تجاوزت قدرة هذه المنظومات على الصمود، إذ إن ساعات الإطفاء الطويلة مقابل ساعات تشغيل محدودة جداً جعلت البطاريات عاجزة عن توفير الطاقة لفترات كافية. وبذلك وجد المواطن نفسه يدفع ثمن الأزمة مرتين؛ مرة عندما استدان لشراء منظومة الطاقة الشمسية، ومرة أخرى عندما اكتشف أن هذه المنظومة لم تعد قادرة على مواجهة واقع الانقطاعات المتفاقمة. أما الطلاب، فقد ظلوا يواجهون المشكلة نفسها؛ حرارة خانقة، وشحن ينفد سريعاً، وظلام يعود ليخيم على المنازل لساعات طويلة.


ـ مرضى على مقاعد الامتحانات

المعاناة تبدو أكثر قسوة بالنسبة للطلاب الذين يعانون من أمراض مزمنة. فهناك طلاب مصابون بالسكري يحتاجون إلى ظروف صحية مستقرة، وآخرون يعانون من ارتفاع ضغط الدم أو أمراض القلب أو الربو أو ضيق التنفس. هؤلاء لا يواجهون فقط صعوبة المذاكرة والمراجعة، بل يواجهون مخاطر صحية حقيقية في ظل ارتفاع درجات الحرارة وانعدام وسائل التبريد.
فكيف يمكن لطالب يعاني من الربو أو ضيق التنفس أن يؤدي امتحانه في قاعة مكتظة وحارة وكيف يستطيع مريض القلب أو الضغط أن يحافظ على تركيزه لساعات طويلة في ظل ظروف مناخية مرهقة؟

إنها أسئلة تطرحها الأسر يومياً وهي تشاهد أبناءها يخوضون هذه المرحلة الحساسة وسط ظروف تفوق طاقتهم الجسدية والنفسية.

قاعات امتحانية تحت وطأة الحر

داخل المدارس لا تبدو الصورة أفضل حالاً.
فالكثير من القاعات الامتحانية تفتقر إلى التهوية المناسبة، ومع انقطاع الكهرباء تتوقف المراوح وتزداد درجات الحرارة داخل الفصول بشكل كبير.
وفي مثل هذه الأجواء يصبح التركيز مهمة شاقة، ويجد الطالب نفسه في صراع مستمر بين محاولة الإجابة على الأسئلة ومقاومة الإرهاق الناتج عن الحر الشديد.
فالامتحانات تحتاج إلى ذهن حاضر وتركيز عالٍ، لكن الحرارة المرتفعة تستنزف الطاقة الذهنية وتؤثر على قدرة الطالب على استدعاء المعلومات وتحليلها.

ولذلك يرى كثير من التربويين أن الظروف الاستثنائية التي يعيشها الطلاب هذا العام تستدعي مراعاة خاصة من الجهات المعنية عند إعداد وتصحيح الامتحانات.


ـ مناشدات طلابية للرحمة لا للتسهيل

أمام هذه الظروف الصعبة، أطلق العديد من طلاب الثانوية العامة مناشدات إلى وزارة التربية والتعليم طالبوا فيها بمراعاة الأوضاع الاستثنائية التي يعيشونها.

وأكد الطلاب أن مطلبهم لا يتمثل في الحصول على امتيازات أو تسهيلات غير مستحقة، بل في مراعاة واقعهم الإنساني الصعب عند إعداد الأسئلة وتصحيح الإجابات.

فهم يدركون أهمية الامتحانات، لكنهم يؤكدون أيضاً أن الظروف التي يمرون بها استثنائية بكل المقاييس، وأنها أثرت بشكل مباشر على قدرتهم على التحصيل والمراجعة والاستعداد.


ـ عدن كلها تعاني

ورغم أن امتحانات الثانوية العامة سلطت الضوء على حجم الأزمة، فإن معاناة الكهرباء تمتد إلى كل بيت وكل أسرة في العاصمة عدن ومحافظات الجنوب، خصوصاً المحافظات الساحلية والحارة.


الأطفال يعجزون عن النوم ليلاً.

كبار السن يواجهون الإرهاق والاختناق. والمرضى تتفاقم معاناتهم يوماً بعد آخر. والأسر تكافح من أجل توفير أبسط متطلبات الحياة.
أما الطلاب فقد وجدوا أنفسهم يدفعون ثمن أزمة لا يد لهم فيها، بينما يواجهون واحدة من أهم المحطات التعليمية في حياتهم.


ـ أين دور السلطة المحلية؟

وفي ظل تفاقم الأزمة، تتزايد تساؤلات المواطنين حول دور السلطة المحلية وسلطة الأمر الواقع في معالجة هذا الملف الحيوي.
فالكهرباء لم تعد خدمة ثانوية يمكن تأجيلها أو التعامل معها باعتبارها مشكلة عابرة، بل أصبحت قضية تمس التعليم والصحة والاستقرار الاجتماعي والحياة اليومية للمواطنين.
وقد أثارت التصريحات المتداولة بشأن عدم اختصاص السلطة المحلية بملف الكهرباء استياءً واسعاً بين المواطنين، الذين يرون أن معاناتهم اليومية أكبر من الجدل حول الاختصاصات والصلاحيات.

فالمواطن البسيط لا يبحث عن تبريرات، بل يبحث عن حلول تنقذ أبناءه وتحفظ كرامته وتخفف من حجم المعاناة التي يعيشها.


ـ صرخة من أجل إنقاذ جيل كامل

إن ما يعيشه طلاب الثانوية العامة اليوم ليس مجرد ظرف عابر، بل أزمة حقيقية تهدد مستقبل جيل كامل من الشباب.
فبين حرارة الصيف اللاهبة، وظلام الكهرباء الطويل، والانهيار الاقتصادي المتواصل، يخوض هؤلاء الطلاب معركة غير متكافئة من أجل الحفاظ على أحلامهم وطموحاتهم.

وإذا كانت الدول تقاس بمقدار اهتمامها بأبنائها، فإن طلاب الثانوية العامة اليوم يستحقون التفاتة جادة ومسؤولة تضع حداً لمعاناتهم وتوفر لهم الحد الأدنى من الظروف الإنسانية التي تمكنهم من أداء امتحاناتهم بصورة طبيعية. إنهم أمانة في أعناق الجميع. أمانة أمام الله وأمام المجتمع وأمام التاريخ.

فلا تتركوا أبناء عدن ومحافظات الجنوب يواجهون مصيرهم وحدهم في هذا الحر الخانق والظلام الطويل.
ارحموا الطلاب الذين يحاولون بناء مستقبلهم وسط الركام. ارحموا الأطفال الذين لا يجدون النوم. ارحموا المرضى وكبار السن الذين أنهكتهم المعاناة.

ارحموا عدن التي أصبحت تختنق كل يوم تحت وطأة الأزمات المتراكمة. فما يحدث اليوم لم يعد مجرد أزمة كهرباء، بل مأساة إنسانية متكاملة الأركان، يدفع ثمنها الجميع، ويبقى الطلاب أكثر الفئات تضرراً منها، لأن خسارة عام دراسي أو ضياع فرصة تعليمية قد تترك آثاراً تمتد سنوات طويلة في حياة الإنسان ومستقبله.