في الوقت الذي تشتعل فيه الأسواق اليمنية بموجات تضخم غير مسبوقة، يترقب مئات الآلاف من موظفي الدولة بصيص أمل يرمم قدراتهم الشرائية المتآكلة. وجاء قرار مجلس الوزراء اليمني الأخير (مايو 2026) باعتماد بدل غلاء معيشة بنسبة 20% لكافة موظفي الدولة، متزامناً مع تحريك ملف العلاوات السنوية المتوقفة، ليمثل ظاهرياً خطوة جادة للاحتواء. لكن خلف كواليس هذا القرار، يدور تساؤل حرج ومقلق يؤرق عشرات الآلاف من "الموظفين النازحين": هل سيحظون بهذه الزيادة، أم أن مقصلة الاستثناءات الإدارية ستطالهم مجدداً؟
العقدة الإدارية: مخاوف مشروعة من "تاريخ حافل بالاستبعاد"
المتتبع لملف الموظفين النازحين يدرك تماماً أن مخاوفهم لا تأتي من فراغ. فبالرغم من أن منطوق القرار الحكومي الأخير جاء فضفاضاً وشاملاً بعبارة "لكافة موظفي الدولة"، إلا أن الشواهد التاريخية تضع النازحين في خانة "المستثنيين بحكم الواقع".
في سنوات سابقة، واجه الموظفون النازحون حرمانًا مستمرًا من زيادة غلاء المعيشة السابقة (الـ 30% المقرة عام 2018)، كما واجهوا تعقيدات وعراقيل مستمرة من قِبل وزارة الخدمة المدنية والتأمينات فيما يتعلق بالعلاوات السنوية والتسويات الوظيفية، بذريعة عدم الانتظام أو شروط المطابقة المعقدة.
يقول أحمد عبدالله ، وهو موظف نازح في عدن:
"نسمع بالزيادات في وسائل الإعلام الرسمية، وعندما نصل إلى كشوفات الصرف في المالية أو البنك المركزي، نجد أنفسنا خارج الحسبة بحجج إدارية واهية. الراتب الأساسي لا يكفي لإيجار شقة صغيرة، واستثناؤنا من الـ 20% الحالية سيكون بمثابة رصاصة الرحمة على أسرنا".
الأستاذ محمد حامد (42 عاماً) – معلم نازح في مخيمات مأرب يقول:
"الزيادة المقدرة بـ 20% خطوة جيدة وتظهر أن الحكومة تشعر بمدى الضغط المعيشي الذي نعيشه، لكن ل نكن واقعيين: الرواتب الأساسية أصلاً متدنية جداً ولا تغطي قيمة السلة الغذائية الأساسية لأسرة نازحة تعيش في خيمة. مع الارتفاع المستمر لأسعار المواد وتكاليف النقل، نأمل ألا يبتلع السوق هذه الزيادة قبل أن نلمسها، ونحتاج إلى رقابة صارمة على الأسعار في الأسواق القريبة من المخيمات."
أم أحمد (38 عاماً) – ممرضة نازحة ومعيلة لأسرة في عدن
"سمعنا بالقرار وننتظر تطبيقه بفارغ الصبر لعلّه يخفف عنا عبء استئجار السكن؛ فالإيجارات في عدن مرتفعة للغاية وتستنزف كل الدخل. لكن ما يقلقنا كنازحين هو قرار 'تحرير الدولار الجمركي' المصاحب للزيادة. حتى وإن قيل إنه يشمل الكماليات فقط، فإن التجار غالباً ما يستغلون هذه القرارات لرفع أسعار كل شيء، بما في ذلك المواد الأساسية والأدوية التي نحتاجها يومياً."وفوق ذلك نتمنى أن لايصادر حقنا في غلاء المعيشة كما حدث في المرة السابقة
عبده علي (51 عاماً) – موظف متقاعد نازح في لحج
"كمتقاعدين ونازحين، نحن الفئة الأكثر تضرراً. صرف 20% زيادة كبدل غلاء معيشة هو بمثابة 'مسكّن مؤقت' لأزمة عميقة. راتبي التقاعدي لا يساوي اليوم شيئاً أمام انهيار العملة. ما نرجوه من الحكومة ليس مجرد زيادات نسبية، بل لفتة حقيقية لانتظام صرف الرواتب وتوفير الخدمات الأساسية داخل المخيمات، مثل المياه الصالحة للشرب والكهرباء.
أروى محمد سعد نازحه بعدن
"القرار قد يساعد والدي قليلاً في توفير بعض الاحتياجات الأساسية للمنزل، لكن الأهم بالنسبة لنا كنازحين هو ما ورد في حزمة القرارات حول 'صرف العلاوات السنوية المتأخرة والتسويات الوظيفية'. الكثير من الموظفين النازحين جُمدت حقوقهم لسنوات طويلة. نأمل أن تشمل هذه التسويات الجميع دون تعقيدات إدارية، وأن تفتح الحكومة الباب لتوظيف الشباب النازحين في المناطق المستقرة."
عبدالعليم القباطي/ نازح في عدن
"نثمن جهود رئيس الوزراء والحكومة في محاولة تحريك ملف الأجور الراكد منذ سنوات. الزيادة بنسبة 20% تعتبر خطوة إلى الأمام، لكن نجاحها مرهون بقدرة وزارة الصناعة والتجارة على 'ضبط الأسواق ومنع الاحتكار' كما وعدت. إذا لم يتم كبح جماح غلاء الأسعار وجشع بعض التجار، فإن الـ 20% ستتبخر فور صدورها في كشوفات الرواتب ولن تغير من واقعنا المعيشي الصعب داخل مراكز النزوح."
القانون والواقع .. تفكيك بنية القرار الجديد
جاء القرار الحكومي الأخير مدفوعاً بضغوط اقتصادية حادة، أبرزها بدء التطبيق الفعلي لقرار تحرير سعر الدولار الجمركي للسلع غير الأساسية، وما رافقه من مخاوف شعبية من قفزات سعرية جديدة.
من الناحية القانونية الصرفة، لا يوجد في ديباجة القرار ما يشير إلى استثناء النازحين، والقرار يستند إلى مقترح مرفوع من وزير الخدمة المدنية والتأمينات. لكن الأزمة تكمن دائماً في "آليات التنفيذ الفنية" التي تناقشها وزارة المالية، حيث يجري غالباً تصنيف النازحين كـ "حالات خاصة" تخضع لآليات تدقيق وتفتيش إداري معقدة تؤدي في النهاية إلى إسقاط أسمائهم أو تأخير صرف مستحقاتهم لأشهر طويلة.
بين مطرقة المعيشة وسندان التمييز الوظيفي
تؤكد الاتحادات النقابية وتجمعات الموظفين النازحين أن أي محاولة لاستثناء هذه الشريحة من زيادة الـ 20% أو العلاوات السنوية سيمثل انتهاكاً صارخاً للدستور وقانون الخدمة المدنية الذي يقضي بالمساواة بين الموظفين في الحقوق الواجبات.
النازحون ليسوا مجرد أرقام في كشوفات الرواتب؛ بل هم كفاءات هُجّرت من منازلها وفقدت ممتلكاتها، ويعيش معظمهم تحت خط الفقر بمرتبات ضئيلة تآكلت قيمتها الفعلية بنسبة تتجاوز 80% بسبب انهيار الريال اليمني.
اختبار حقيقي لجدية الحكومة
إن قرار اعتماد 20% كبدل غلاء معيشة يضع حكومة الدكتور شائع الزنداني أمام اختبار حقيقي: إما إثبات شمولية قراراتها لجميع مواطنيها وموظفيها دون تمييز أو مناطقية، وإما تكريس المعاناة المركبة للموظف النازح الذي يدفع ثمن الحرب مرتين؛ مرة بنزوحه، وأخرى بحرمانه من لقمة عيشه الأساسية.
الكرة الآن في ملعب وزارتي المالية والخدمة المدنية لصياغة كشوفات صرف موحدة تضمن وصول الزيادة والعلاوات للنازحين بالتوازي مع زملائهم في المحافظات المستقرة، فهل ستصدق الوعود هذه المرة؟