الأوروبيون بدأوا يستفيقون ببطء.. والتعبير عن الاستياء يقتصر على صناديق الاقتراع
أوروبا تواجه تدهوراً في مفاهيم المساواة ودولة الرفاهية والازدهار والعيش بسلام وأمان. من المصدر
المفهوم الأساسي في الديمقراطية الليبرالية هو «التقدم البشري»، فنحن نتقدم على مسار متواصل من الأسوأ إلى الأفضل، ونرفع باستمرار مستوى معيشتنا، ونحدّ من الفقر، ونحسن الصحة العامة، ونحل مشكلات هندسية بالغة التعقيد، ونستبدل الحرب بالدبلوماسية والتعايش السلمي.
وتسود في أوروبا، ولاسيما في شمالها وغربها، صورة ذاتية مفادها أن القارة هي مهد الديمقراطية الليبرالية ومركزها، ويقوم هذا النموذج الاجتماعي والسياسي والاقتصادي على ثلاثة أركان: قضاء مستقل، وديمقراطية برلمانية وحرية التعبير، ودولة رفاهية تحدُّ من التفاوت الاقتصادي. وفي الواقع تعِد «الديمقراطية الليبرالية» بطبيعتها بتقدم لا ينتهي.
وعلى الرغم من أن أوروبا هي المنشأ العالمي للديمقراطية الليبرالية، فإن فكرة التقدم اللانهائي خاطئة، فأوروبا ونموذجها الاجتماعي لم يعودا يوفران هذا الوعد، وأركانها الثلاثة باتت تتداعى، فتآكل الحياة المتحضرة على ثلاثة محاور يتكشف أمام أعين السكان الأوروبيين الذين تتأثر حياتهم بشكل متزايد وسلبي.
وفي رد فعل لايزال في بداياته، بدأ الأوروبيون يستفيقون ببطء، إلا أن التعبير عن استيائهم اقتصر حتى الآن على صناديق الاقتراع.
تستمر القيادة السياسية الأوروبية في غضون ذلك في التصرف وكأنها لا ترى أي خلل، ولا تسمع أي تراجع، ولا تستشعر أي خطر محدق، وهي غافلة عن التراجع الحضاري الذي يتجلى في أركان الديمقراطية الليبرالية الثلاثة، فقد أصبح التدهور في الركن الأول وهو «القضاء المستقل» واضحاً بشكل مؤسف، وهناك أمثلة كثيرة على كيفية تضاؤل استقلال القضاء في أوروبا، ولكن تآكله لا يقتصر على المحاكم.
كما وصل فقدان الحياد إلى أعماق صفوف أجهزة إنفاذ القانون، ونادراً ما يتجلى هذا التناقض الصارخ كما حدث أخيراً عندما تركت الشرطة البريطانية ضحية جريمة شخص من الملونين ينزف حتى الموت، بينما كانت تتعامل بقسوة مع المعتدي غير الأبيض.
والركن الثاني للديمقراطية الليبرالية وهو النظام البرلماني الذي يضمن حرية التعبير ونزاهة الانتخابات، آخذ هو الآخر في التدهور. ومع ثورات الشعب الغاضبة على سياسات الهجرة غير المقبولة عبر التصويت للأحزاب القومية المحافظة، ردّت المؤسسات الحكومية التي من المفترض أنها ديمقراطية بتشكيل تحالفات هجينة لإبعاد هذه الأحزاب عن السلطة. ويتزايد وعي الأوروبيين بتدهور هذين الركنين الأولين، ولكن من المرجح أن يكون انهيار الركن الثالث هو المحفز الأقوى للاستجابة الشعبية لفقدان الحرية والازدهار والسلام.
والركن الثالث هو «دولة الرفاهية»، وهو الوعد لجميع المواطنين بأنه بصرف النظر عن ظروفهم الاقتصادية الحالية أو المستقبلية، فإن الدولة ستوفر لهم دائماً شبكة أمان شاملة، والأهم من ذلك سترفع مستوى معيشة ذوي الدخل المحدود إلى مستوى أعلى مما يستطيعون تحقيقه بأنفسهم.
إن تحقيق قدر كبير من المساواة الاقتصادية من شأنه أن يضمن الاعتدال الاجتماعي والسياسي، ومن شأن الاستحقاقات الممولة من الضرائب أن تجعل الجميع يدخلون في نمط حياة الطبقة المتوسطة، حيث يكون لدى الغالبية العظمى منهم ما يخسرونه أكثر مما يكسبونه من الاضطرابات السياسية الجذرية.
كان من المفترض أن يكون هذا المزيج من الاستقرار الاقتصادي والهدوء السياسي هو الوصفة الناجحة لـ«الديمقراطية الليبرالية».
ولم يكن هناك سوى مشكلتين: الأولى هي ميل الديمقراطية الليبرالية إلى تنمية الغطرسة بين النخب السياسية، فابتداءً من ستينات القرن الـ20، أي بعد جيل تقريباً من بدء المشروع الليبرالي الديمقراطي، شرعت حكومات أوروبا الغربية والشمالية في سلسلة من التجارب المجتمعية المتعجرفة، حيث تعرضت مؤسسات حضارية حيوية مثل الكنيسة والدين، والأسرة وتربية الأطفال، والتجانس الديموغرافي، للهجوم.
أما المشكلة الثانية في صيغة الاستقرار الليبرالي الديمقراطي، التي ظهرت أخيراً، فمنذ مطلع الألفية الجديدة، انزلقت اقتصادات أوروبا الغربية والشمالية تدريجياً نحو الركود الاقتصادي.
في البداية، وصلت إلى مرحلة لم تعد قادرة فيها على الحفاظ على معدل نمو سنوي حقيقي للناتج المحلي الإجمالي بنسبة 3%، ما أفقدها القدرة على تحسين مستوى معيشة سكانها بشكل مستمر، ثم انخفض معدل النمو إلى أقل من 2% سنوياً، وهو المستوى الذي يبدأ عنده مستوى معيشة أي دولة بالتراجع تدريجياً.
وباتت أوروبا عموماً الآن عالقة في حالة من الركود الاقتصادي الهيكلي، وتتزايد تبعات ذلك في وقت يُشكل فيه المهاجرون، الذين تقل كفاءتهم في سوق العمل عموماً عن متطلبات سوق العمل الأوروبية، عبئاً متزايداً على دولة الرفاهية.
بدورهم يواجه شباب السكان الأصليين في غضون ذلك وظائف متدنية الأجر لا مستقبل لها بدلاً من بناء مسيرة مهنية، وبينما يلاحظون أنهم لا يحققون التقدم المالي نفسه الذي حققه آباؤهم، فإنهم يواجهون أيضاً نظاماً قانونياً وسياسياً يصنفهم بالعنصرية لمجرد كونهم بيضاً، ونتيجة لذلك يرفضون التيار السياسي السائد، ويمتنعون عن الإنجاب، موجهين بذلك رسالةً مقلقةً مفادها رفضهم وراثة أمتهم.
تحتاج أوروبا إلى التخلي عن مشروع «الديمقراطية الليبرالية»، لكن عليها أن تفعل ذلك بطريقة سلمية ومنظمة، ولكن للأسف يبدو هذا الأمر بعيد المنال، فالتدهور المجتمعي المتسارع الذي نشهده اليوم لا يُلهم النخبة السياسية إلا ردة فعل واحدة هي التمسك بالتجارب المجتمعية نفسها التي أدت إلى تدهور أوروبا.
عن «ذا يوروبيان كونزرفيتف»
. النموذج الاجتماعي والسياسي والاقتصادي في أوروبا يقوم على قضاء مستقل، وديمقراطية برلمانية، وحرية التعبير، ودولة رفاهية تحدُّ من التفاوت الاقتصادي.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية والرياضية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news
آخر تحديث للصفحة تم بتاريخ: 6 يونيو 2026 20:55