يكشف المجلد الحادي عشر من الأعمال الكاملة للروائي الألماني الشهير توماس مان عن نصٍّ عميق الأثر بعنوان "أشجار الحديقة: خطابٌ من أجل أوروبا الجامعة"، وهو نصٌّ ظلّ بعيداً عن دائرة الضوء الدراسية العربية. يتخذ مان من رمزيَّة شجرتي التين والزيتون مدخلاً لفحص موقع ألمانيا المتأرجح في الساحة الأوروبية، والصراع الدائر بين هويتها الثقافية الأصيلة ومشروع الوحدة الأوروبية الحديث.
هذا الخطاب، الذي ألقاه مان عام 1930 أمام جمعية "خطة أوروبا" في برلين، استلهم بنيته الرمزية لاحقاً في روايته الخالدة "يوسف وإخوته". لقد انغمس مان في دراسة التاريخ المصري القديم والأساطير الشرقية تحضيراً لهذه الرواية، حتى أصبح مرجعاً فريداً في هذه المجالات، وهو ما دفع الباحث يان أسمان لتخصيص كتاب عن معرفته بهذه الموضوعات بعنوان "توماس مان ومصر: الأسطورة والتوحيد في روايات يوسف".
على الرغم من مرور ما يقارب قرناً على إلقاء هذا الخطاب، إلا أنه لا يزال بكراً في الدراسات المقارنة، إذ لم يُستثمر بعد في ضوء النص القرآني وتأويلاته الإسلامية التراثية. يبدأ مان خطابه بمقارنة بين شجرتي التين والزيتون، حيث تمثل شجرة الزيتون الحياة، والنور، والقداسة، والعزم، وهي مقدسة للشمس، بينما تمثل شجرة التين الموت، والمعرفة، والخصب، والعمق الحسي، وترتبط بعالم القمر.
يشير مان إلى أن الحضارة الغربية قامت على قيم العقل والتنظيم والتقدم، بينما تميل ألمانيا بطبيعتها إلى التأمل والغموض والانغماس في التجربة الروحية. هذه الخصوصية الألمانية، وإن كانت مصدراً للثراء، قد تصبح خطيرة إذا ما انزلقت نحو السياسات التي تغذي الفاشية واللاعقلانية، مما يعزلها عن الفضاء الأوروبي. يدعو الخطاب إلى مصالحة داخلية بين الذات والمجتمع، والفن والسياسة، والتجربة الفردية والمسؤولية العامة.
تبرز المفارقة حين نقارن ثنائية مان مع السورة القرآنية "والتين والزيتون". فبينما يرى مان في الشجرتين قوى متعارضة تتطلب الموازنة، يشير المفسرون المسلمون، مثل ابن تيمية، إلى أن الآية تقسم بالأماكن المقدسة التي ظهر فيها الوحي (التين والزيتون، طور سيناء، مكة المكرمة)، لتصبح الشجرتان رمزاً لمسار النبوة الإبراهيمية ووحدة الرسالات السماوية. وفي القرآن، لا تمثل الشجرتان صراعاً كونياً، بل مقدمة لتأمل في طبيعة الإنسان الوجودية، حيث خُلق في أحسن تقويم ثم قد يسفل إلا بالصلاح والإيمان.
يُظهر هذا التباين كيف يمكن للرموز أن تُفسر بطرق مختلفة؛ فمان يراها ساحة لصراع حضاري، بينما يدمجها القرآن في سياق توحيدي شامل يتعلق بالإنسان ومصيره. لقد كان مان نذيراً لألمانيا من الانزلاق نحو النازية، لكنه في الوقت ذاته وقع في فخ التصنيفات الاستشراقية التبسيطية. تظل المقارنات الثقافية أدوات للفهم، لكن النص القرآني يقدم رؤية أعمق لوحدة المعنى الإلهي.