أخبار محلية

حرية الصحافة في اليمن.. بين فضاءات العهد الذهبي ومقصلة الانتهاكات والقمع الممنهج

حرية الصحافة في اليمن.. بين فضاءات العهد الذهبي ومقصلة الانتهاكات والقمع الممنهج

مر التاسع من يونيو حاملاً معه الذكرى السنوية ليوم الصحافة اليمنية ليعيد إلى الأذهان تلك المحطة التاريخية البارزة التي اقترنت بإعلان الوحدة المباركة وتأسيس الكيان النقابي الموحد للصحفيين في عام 1990م، وتطل هذه المناسبة لتضع الأسرة الصحفية والإعلامية اليمنية أمام قراءة دقيقة ومقارنة موضوعية شاسعة بين فترتين متباعدتين من تاريخ الإعلام اليمني قوامها التباين الجذري بين مناخات العصر الذهبي للحرية والتعددية السياسية والإعلامية وواقع معاصر شديد القتامة والخطورة يعيشه الإعلاميون في مختلف ربوع الوطن، بعد أن تحولت المهنة إلى مخاطرة حقيقية تهدد حياة أصحابها بالقتل والاختطاف والتعذيب والملاحقات المستمرة. 

وتقدم هذه المناسبة فرصة حقيقية لرصد المسار التاريخي والتحولات العميقة التي شهدتها الكلمة الحرة في اليمن والوقوف على أطلال بيئة إعلامية كانت يوماً منارة للتنوع الفكري والثقافي في المنطقة العربية بأسرها قبل أن تلتهمها نيران الصراعات المتلاحقة والانقلابات المسلحة التي دمرت البنية التحتية والمؤسسية للإعلام اليمني برمته.

المرحلة الذهبية للصحافة والحرية

تظل حقبة حكم الزعيم الشهيد علي عبدالله صالح محفورة في وجدان الحركة الصحفية اليمنية بوصفها العهد الذهبي الذي شهد ولادة حقيقية لصحافة حرة وتعددية لا نظير لها، فمع قيام الجمهورية اليمنية بادر الزعيم الشهيد إلى تبني ودعم حرية الرأي والتعبير بشكل غير مسبوق، مرسخاً مبدأ الرأي والرأي الآخر كركيزة أساسية لبناء الدولة اليمنية الحديثة.. وفي هذا المناخ الديمقراطي الفريد ولدت نقابة الصحفيين اليمنيين لتمثل صمام أمان وكياناً قوياً يدافع عن حقوق منتسبي المهنة وبدعم مباشر ورعاية كريمة من الرئيس صالح، الذي شهدت الساحة الإعلامية في عهده انفجاراً معرفياً وصحفياً هائلاً تجسد في صدور المئات من الصحف والمجلات المتنوعة ما بين رسمية وحزبية وأخرى مستقلة ومعارضة تعبر عن كافة الأطياف السياسية والفكرية في المجتمع دون خوف أو رقابة مسبقة. 

ولم يقتصر دعم الزعيم صالح للصحافة على السماح بإصدار الصحف، بل امتد ليشمل تعزيز الحماية القانونية والاجتماعية للصحفيين وتكريم المبدعين منهم وتوفير البيئة الملائمة للعمل الصحفي الاستقصائي والتحليلي الذي كان يوجه نقد الحكماء للسياسات الحكومية بكل حرية وجرأة، وهو ما يعكس سعة صدر القيادة السياسية، آنذاك، وإيمانها العميق بأن الصحافة هي السلطة الرابعة وشريك أساس في التنمية ومكافحة الفساد وتصحيح الاختلالات.. وبفضل هذه السياسة الحكيمة تحولت العاصمة صنعاء وعواصم المدن اليمنية إلى مركز إشعاع ثقافي وإعلامي عربي يستقطب الكفاءات العربية ويصدر الفكر الحر مما جعل التجربة الصحفية اليمنية محط إعجاب وتقدير المنظمات الدولية والحقوقية التي كانت ترى في اليمن نموذجاً متقدماً للحريات في محيطها الإقليمي.

فوضى 2011 وبداية تراجع الحريات

بدأت ملامح التراجع والانهيار في جدار الحريات الصحفية مع اندلاع أحداث وفوضى عام 2011 والتي مثلت نقطة تحول كارثية عصفت بالاستقرار السياسي والاجتماعي في البلاد، وألقت بظلالها الوخيمة على الأسرة الإعلامية.. ومع انتشار مظاهر الانفلات الأمني وتصاعد حدة الاستقطاب السياسي الحاد تحولت الساحات والمنابر الإعلامية إلى ساحات للصراع وتصفية الحسابات، ووقع الصحفيون ضحية لعمليات التحريض الممنهج والاستهداف المباشر من قبل جماعات العنف والفوضى التي لم تكن تؤمن بقيم الحوار أو تقبل بالرأي الآخر. 

وشهدت هذه المرحلة الصعبة بدايات التضييق الميداني على المراسلين والمصورين، وتعرضت العديد من المقرات الإعلامية للاعتداء والاقتحام، كما بدأت لغة التهديد والوعيد تحل محل الحوار الديمقراطي الذي كان سائداً في العقود السابقة مما دفع بالعديد من الكفاءات الصحفية إلى التوقف عن العمل أو مغادرة البلاد بحثاً عن الأمان.. وكان هذا التدهور بمثابة المؤشر الأولي والخطير على انهيار المنظومة القانونية والمؤسسية التي كانت تحمي العمل الإعلامي والتمهيد لمرحلة أكثر دموية وبشاعة واجهت فيها الصحافة اليمنية أسوأ فترات تاريخها المعاصر على الإطلاق.

تحول خطير في مسار الإعلام

شهد عام 2011 تحولاً خطيراً في مسار الإعلام اليمني حينما أقدمت قوى الفوضى على استغلال ذلك الفضاء الرحب والمناخ الديمقراطي الحر الذي وفرته الدولة في عهد الرئيس الزعيم علي عبدالله صالح، وتم تحويل وسائل الإعلام والصحافة من منابر للتنوير والبناء والنقد البناء إلى أدوات هدم وتأجيج لصناعة الفوضى وزرع الانقسامات في النسيج الاجتماعي.. 

وعمدت تلك القوى عبر مطابخها الإعلامية والمنصات الصحفية الحزبية والمستقلة إلى ضخ سيل عارم من الشائعات والأكاذيب الممنهجة وتزييف الحقائق بهدف شيطنة مؤسسات الدولة وإسقاط هيبتها وطعن خاصرة النظام الجمهوري والتعددية السياسية وحرية الرأي والرأي الآخر التي كانت ميزة اليمن الفريدة، وتم تسخير فضاء الحرية الصحفية لإشعال الحرائق الفكرية والسياسية والتحريض ضد المقدرات الوطنية، وهو ما أدى في نهاية المطاف إلى إضعاف بنيان الدولة وتفكيك مؤسساتها الأمنية والعسكرية والسياسية وتجريف الوعي المجتمعي. 

وساهم هذا التجريف الممنهج وتدمير مناعة الدولة ومؤسساتها في تهيئة الأرضية الخصبة وتسهيل الطريق أمام المليشيا الحوثية لتنفيذ انقلابها المشؤوم واجتياح العاصمة صنعاء لتكون تلك القوى التي خانت أمانة الكلمة وسخرت الحرية لضرب الدولة أول ضحايا هذا الانقلاب الدموي الذي التهم الأخضر واليابس وصادر كل هوامش الحرية التي تأسست في عهد الرئيس علي عبدالله صالح.

الانقلاب الحوثي ومقصلة القمع الممنهج 

بلغت المأساة الصحفية ذروتها عقب الانقلاب المشؤوم الذي نفذته مليشيا الحوثي الإرهابية على التوافق الوطني ومؤسسات الدولة في سبتمبر من عام 2014، حيث دشن الحوثيون عهدهم الدموي بشن حرب إبادة شاملة وممنهجة ضد كل مظاهر العمل الصحفي المستقل والمعارض. 

وعمدت المليشيا الانقلابية إلى اقتحام ونهب مقرات الصحف الرسمية والحزبية والأهلية وحجبت المئات من المواقع الإلكترونية المحلية والعربية، وتحولت العاصمة صنعاء والمناطق الواقعة تحت سيطرة الحوثيين إلى مناطق مغلقة وصوت واحد يسبح بحمد المليشيا ومشروعها الطائفي الغريب عن الهوية اليمنية. 

ولم تتوقف الانتهاكات الحوثية عند مصادرة المؤسسات بل امتدت لتشمل ارتكاب أبشع الجرائم بحق الصحفيين حيث تعرض العشرات من الإعلاميين للاختطاف والإخفاء القسري في سجون سرية مظلمة وعانوا من شتى أنواع التعذيب النفسي والجسدي، ووصل صلف المليشيا إلى حد إصدار قرارات إعدام جائرة بحق صحفيين بتهم كيدية وملفقة، بالإضافة إلى استخدامهم دروعاً بشرية في مواقع عسكرية مستهدفة، مما أدى إلى استشهاد عدد منهم.

وتحت وطأة هذا الإرهاب الحوثي غير المسبوق توقفت الصحافة اليمنية الحرة تماماً في مناطق سيطرتهم واضطر مئات الصحفيين إلى الفرار بجلودهم نحو المحافظات المحررة أو إلى منافٍ اختيارية في مختلف دول العالم هرباً من الملاحقة والقتل ليتحول المشهد الإعلامي في صنعاء إلى أرض قاحلة تخلو من أي رأي مغاير أو نقد بناء.

واقع الصحافة في المحافظات المحررة 

لم تكن المحافظات المحررة الخاضعة بمنأى عن التحديات والانتهاكات التي طالت الجسد الصحفي اليمني. وعلى الرغم من الهامش النسبي للحريات مقارنة بالوضع المأساوي في مناطق سيطرة الحوثيين إلا أن الصحفيين والإعلاميين في المناطق المحررة يواجهون صعوبات جمة وبيئة عمل غير آمنة ومحفوفة بالمخاطر، وتعددت الجهات والمكونات التي تمارس التضييق على الحريات الإعلامية في هذه المناطق، حيث رصدت نقابة الصحفيين والمنظمات الدولية العديد من حالات الاعتقال التعسفي والملاحقات القضائية خارج إطار قانون الصحافة والمطبوعات، بالإضافة إلى تعرض مؤسسات إعلامية ونقابية للاقتحام والاستيلاء على مقراتها. 

وتواجه البيئة الإعلامية في المناطق المحررة معوقات ناتجة عن غياب الاستقرار الأمني والسياسي التام فضلاً عن الاختلالات الجسيمة في مسار التقاضي، حيث يتم استخدام القضاء أحياناً كأداة لملاحقة أصحاب الرأي والتضييق على التعبير.. وتبرز حوادث الاغتيالات الآثمة والعبوات الناسفة التي استهدفت عدداً من الصحفيين البارزين وعائلاتهم كشاهد حي على خطورة الوضع الأمني ومساعي قوى الفوضى لإسكات الأصوات الحرة التي تكشف ملفات الفساد أو تسعى لتقديم الحقائق للمواطنين، مما جعل العمل الإعلامي في هذه المحافظات يحتاج إلى شجاعة فائقة وإصرار كبير لمواصلة الرسالة المهنية وسط حقل من الألغام السياسية والأمنية.

جحيم الانتهاكات وتدهور الوضع المعيشي للصحفيين

تكشف التقارير الحقوقية السنوية الصادرة عن نقابة الصحفيين اليمنيين والمنظمات الدولية حجم الكارثة الإنسانية والمهنية التي يعيشها الإعلام اليمني، حيث تم توثيق أكثر من 2000 انتهاك صارخ منذ بدء الحرب، شملت القتل العمد والاختطاف والاعتداء الجسدي والتهديد المستمر بالقتل، وحل اليمن في مراتب متأخرة جداً في ذيل قائمة مؤشر حرية الصحافة العالمي الصادر عن منظمة مراسلون بلا حدود، مصنفاً كواحد من أكثر البلدان خطورة على حياة الصحفيين في العالم. 

وإلى جانب هذه التهديدات الأمنية الوجودية برزت أزمة معيشية واقتصادية طاحنة تعصف بمنتسبي المهنة، جراء انقطاع الرواتب والمستحقات المالية لسنوات طويلة وتوقف المؤسسات الإعلامية التي كانوا يعملون بها، مما دفع بالكثير من الصحفيين والكتاب إلى العيش في ظروف فقر مدقع وهجر المهنة والبحث عن أعمال عضلية شاقة لتأمين لقمة العيش لأسرهم. 

وشكل هذا التدهور المعيشي المريع وجهاً آخر للحرب الممنهجة التي تستهدف تجويع العقول وإطفاء مشاعل التنوير في المجتمع ليصبح الصحفي اليمني اليوم محاصراً بين مطرقة التهديد الأمني والملاحقات الجائرة وسندان الفقر والعوز وغياب الضمانات الوظيفية والاجتماعية التي كانت تكفل له حياة كريمة في الماضي.

ضرورة إحياء قيم العهد الذهبي لإنقاذ الكلمة الحرة

يتطلب الواقع المأساوي لحرية التعبير في اليمن وقفة جادة ومسؤولة من المجتمع الدولي والمنظمات الحقوقية والاتحادات الصحفية العالمية لممارسة ضغوط حقيقية وفاعلة على كافة الأطراف لوقف مسلسل الانتهاكات المستمرة، وإنهاء سياسة الإفلات من العقاب للمعتدين على الصحفيين، ويجب على كافة السلطات في البلاد الإفراج الفوري وغير المشروط عن جميع الصحفيين المختطفين والمخفين قسراً، ووقف استخدام المؤسسات القضائية وسيلة لتصفية الحسابات السياسية وقمع الآراء الحرة. 

وفي هذه المناسبة يتطلع الصحفيون اليمنيون بكثير من الحنين والأمل إلى استعادة قيم العهد الذهبي للزعيم الشهيد علي عبدالله صالح، حيث كانت الحرية مصانة والرأي محترماً والتعددية الإعلامية فخراً للوطن.

إن إنقاذ الصحافة اليمنية وإعادة الاعتبار لمهنة المتاعب يشكل خطوة أساسية وأولى نحو بناء أي سلام مستدام وشامل في البلاد، إذ لا يمكن الحديث عن ديمقراطية أو عدالة أو تنمية في مجتمع تُكمم فيه الأفواه وتُكسر فيه الأقلام وتُساق فيه الكلمة الحرة إلى المقصلة والتضييق والتنكيل.