أخبار محلية

اليمن في الغرف المغلقة... حين تصبح السيادة بنداً في التفاوض

المنتصف نت- المنتصف نت 14/06/2026 00:14 480 مشاهدة
اليمن في الغرف المغلقة... حين تصبح السيادة بنداً في التفاوض

من السهل أن تستحوذ المواجهة بين واشنطن وطهران على العناوين الرئيسية، لكن من الصعب تجاهل ما يجري في الظل، حيث تُصاغ التفاهمات وتُرسم خرائط النفوذ بعيداً عن الأضواء. وفي مثل هذه اللحظات، يصبح السؤال الأكثر إلحاحاً: أين يقف اليمن من كل ذلك؟

التاريخ الحديث في المنطقة يقول إن الحروب لا تنتهي دائماً بانتصار طرف على آخر، بل كثيراً ما تنتهي بتسويات سياسية تعيد توزيع المصالح. والمشكلة لا تكمن في مبدأ التسوية ذاته، وإنما في الثمن الذي قد يُطلب من الدول الضعيفة دفعه على طاولات التفاوض.

اليمن اليوم يقف أمام هذا الاحتمال الحساس. فبينما ينشغل العالم بالتجاذبات الكبرى، تتزايد المخاوف من أن تتحول القضية اليمنية إلى مجرد ملف ضمن حزمة تفاهمات إقليمية ودولية، لا تنطلق بالضرورة من مصالح اليمنيين أو من حقهم في استعادة دولتهم وسيادتهم.

ومن هنا تبدو أهمية التمسك بحقيقة أساسية كثيراً ما تُطمس وسط اللغة الدبلوماسية الفضفاضة: ما جرى في اليمن لم يكن خلافاً سياسياً بين أطراف متنافسة على برامج حكم، بل انقلاباً مسلحاً فرض واقعاً بالقوة، وأدخل البلاد في واحدة من أطول الأزمات في تاريخها الحديث.

إن توصيف الأزمة ليس مجرد خلاف لغوي أو سياسي، بل هو أساس يبنى عليه شكل الحل ومضمونه. فعندما يُقدَّم الانقلاب باعتباره نزاعاً سياسياً عادياً، فإن ذلك يفتح الباب لمنح الجماعة الانقلابية شرعية سياسية لم تحصل عليها عبر المؤسسات ولا عبر الإرادة الشعبية، وإنما عبر السلاح وفرض الأمر الواقع.

كما أن اختزال المسألة في بعدها الداخلي يتجاهل حقيقة أخرى لا تقل أهمية، وهي أن الأزمة اليمنية ارتبطت منذ سنوات بتشابكات إقليمية معقدة وبنفوذ يتجاوز حدود الدولة اليمنية نفسها، الأمر الذي جعل تداعياتها تمس الأمن العربي والملاحة الدولية والاستقرار الإقليمي بصورة مباشرة.

ولهذا فإن مسؤولية حماية اليمن ليست مسؤولية اليمنيين وحدهم، بل هي أيضاً مسؤولية كل من يرى في استقرار المنطقة مصلحة مشتركة. فدعم الدولة الوطنية ومنع تكريس منطق المليشيات ليس موقفاً سياسياً عابراً، بل استثمار في أمن المنطقة ومستقبلها.

ولا يعني ذلك رفض الحلول السياسية أو إغلاق أبواب التفاوض، بل على العكس، فكل الحروب تنتهي بالحوار. لكن الحوار الذي يؤسس لدولة مستقرة يختلف عن التسويات التي تمنح الانقلاب مكاسب سياسية لم يستطع تحقيقها عسكرياً، أو تكرس نفوذاً خارجياً تحت عنوان السلام.

إن أخطر ما يمكن أن يواجهه اليمن ليس استمرار الحرب وحده، بل إنتاج سلام هش يقوم على شرعنة الأمر الواقع ويؤجل أسباب الصراع إلى جولة جديدة. فالتسويات التي تتجاهل جذور المشكلة لا تصنع استقراراً دائماً، وإنما تمنح الأزمات شكلاً جديداً وتؤجل انفجارها.

لهذا، فإن المطلوب اليوم ليس رفع سقف الخطاب، بل رفع مستوى اليقظة. فاليمن يجب ألا يكون بنداً هامشياً في أي تفاهمات دولية، ولا ورقة مقايضة في صفقات إقليمية، لأن سيادة الدول ليست تفصيلاً تفاوضياً، ولأن مستقبل الشعوب لا ينبغي أن يُرسم في الغرف المغلقة بعيداً عن إرادتها وحقها في تقرير مصيرها.