مع انطلاق عام دراسي جديد في المناطق الخاضعة لسيطرة مليشيا الحوثي، تتجدد فصول واحدة من أخطر الكوارث التي تضرب اليمنيين، حيث تحولت المدارس من مؤسسات لبناء الإنسان وصناعة المستقبل إلى أدوات لتكريس الفكر الطائفي وخدمة مشروع المليشيا السياسي والعسكري.
وفي الوقت الذي يفترض أن تستقبل المدارس الطلاب ببرامج تعليمية حديثة وبيئة آمنة، يجد مئات الآلاف من التلاميذ أنفسهم أمام مناهج مشوهة جرى العبث بمحتواها لإدخال أفكار مذهبية وشعارات تمجد قيادات الجماعة وتكرس ثقافة العنف والانقسام، في محاولة ممنهجة لإعادة تشكيل وعي الأجيال بما يخدم أجندة الحوثيين.
ويرى تربويون أن المليشيا شنت حرباً شاملة على التعليم الوطني، بدأت بتغيير المناهج الدراسية وانتهت بتحويل المدارس إلى منصات للتعبئة الفكرية والاستقطاب، الأمر الذي ألحق أضراراً جسيمة بالعملية التعليمية وأفقدها رسالتها الأساسية في بناء المعرفة وتعزيز قيم المواطنة.
وتزداد المأساة قسوة مع استمرار حرمان المعلمين من رواتبهم منذ سنوات، في سياسة وصفها مراقبون بأنها وسيلة لإخضاع الكادر التربوي وإجباره على العمل تحت سلطة المشرفين الحوثيين. وبينما يكافح آلاف المعلمين لتأمين لقمة العيش لأسرهم، يقبع آخرون في السجون بسبب مطالبتهم بحقوقهم أو رفضهم الانخراط في أنشطة الجماعة.
كما تعاني المدارس من تدهور غير مسبوق في البنية التحتية ونقص حاد في الإمكانات التعليمية، في وقت تواصل فيه المليشيا فرض الرسوم والجبايات على أولياء الأمور تحت مسميات مختلفة، رغم الظروف الاقتصادية الخانقة التي تعصف بالمواطنين.
ويؤكد أولياء أمور أن تكلفة الدراسة أصبحت عبئاً يفوق قدراتهم، مع ارتفاع أسعار المستلزمات المدرسية وفرض مبالغ مالية إضافية بشكل متكرر، ما دفع كثيراً من الأسر إلى إخراج أبنائها من التعليم أو تأجيل التحاقهم بالمدارس.
ويحذر مختصون من أن استمرار سياسات الحوثيين تجاه التعليم يهدد بإنتاج جيل محروم من المعرفة الحقيقية، ويعمق من معدلات الأمية والتطرف، ويقوض أسس الدولة المدنية التي قامت على التعليم باعتباره حقاً أساسياً لكل مواطن.
وفي ظل هذا الواقع القاتم، تتصاعد الدعوات لإنقاذ القطاع التعليمي من قبضة المليشيا، وإعادة الاعتبار للمدرسة اليمنية كمؤسسة وطنية مستقلة بعيداً عن التوظيف الأيديولوجي والاستغلال السياسي، حفاظاً على مستقبل ملايين الأطفال الذين يدفعون ثمن الحرب والمشاريع الطائفية على حد سواء.