عدن | تقرير خاص
لم تعد أزمة الطاقة في العاصمة المؤقتة عدن مجرد خلل خدمي عابر أو معضلة صيفية روتينية، بل تحولت إلى "حصار حراري خانق" يهدد حياة الملايين. ومع قفز مؤشرات درجات الحرارة إلى عتبة الـ 45 درجة مئوية مصحوبة برطوبة ساحلية خانقة، دخلت المدينة في نفق مظلم مع وصول ساعات انقطاع التيار الكهربائي إلى نحو 20 ساعة يومياً، وسط تحذيرات حقوقية وطبية من كارثة إنسانية وشيكة تعصف بالسكان.
ويرى أهالي المدينة أن غياب الضوء والتيار لم يعد مجرد حرمان من رفاهية، بل غدا سحقاً للمقومات الأساسية للحياة، وتحولت المنازل إلى ما يشبه "الأفران المغلقة" التي تلتهم أجساد الأطفال والمسنين.
الهجرة إلى الأرصفة: منازل تتحول إلى "مدافن حرارية"
أفاد سكان محليون في مختلف مديريات عدن أن خدمة الكهرباء باتت "شبه منعدمة"، وأن فترات التشغيل الضئيلة والمتقطعة لا تكفي حتى لتبريد الجدران أو شحن بطاريات الإضاءة البديلة. هذا الوضع الكارثي أجبر مئات الأسر على النزوح الليلي الجماعي من غرفهم المختنقة إلى أسطح المباني، الشواطئ، والساحات العامة، وحتى باحات المساجد، بحثاً عن نسمة هواء تقيهم خطر الاختناق الحراري.
شهادة من قلب المعاناة: "لسنا نعيش، نحن في معركة يومية للبقاء على قيد الحياة. نرى أطفالنا يذبلون من الحر ولا نملك سوى كرتوناً نهفهف به عليهم." هكذا لخص أحد مواطني مديرية كريتر المشهد المأساوي.
وتشير التقارير الطبية المسربة من المستشفيات المحلية إلى تدفق حالات الإجهاد الحراري، وحالات الإغماء الطارئة، والطفح الجلدي الحاد بين الأطفال، ناهيك عن تدهور الحالة الصحية لمرضى الضغط، السكري، والفشل الكلوي الذين باتت حياتهم معلقة بـ"مروحة" لا تدور.
الشلل الاقتصادي: كلفة التوليد الخاص تحرق جيوب التجار
على الصعيد الاقتصادي، ألقت أزمة الكهرباء بظلالها الثقيلة على الأسواق وشلت الحركة التجارية بشكل شبه كامل في الأحياء العريقة.
• المنشآت الصغيرة: أُجبر أصحاب المحال التجارية، والورش، والمعامل الصغيرة على إغلاق أبوابهم لساعات طويلة نتيجة العجز عن توفير كلفة الوقود للمولدات الخاصة.
• النزيف المالي: تعتمد المحلات المستمرة في العمل على مولدات تجارية ذات تكلفة تشغيلية باهظة، ما أدى إلى مضاعفة أسعار السلع والخدمات وتكبيد القطاع الخاص خسائر متراكمة لا تُحتمل.
• أزمة القطاع الصحي: تعيش المستشفيات والمراكز الطبية حالة استنزاف قصوى، حيث تذهب ميزانياتها المحدودة لشراء وقود الديزل لتشغيل المولدات لضمان استمرار غرف العمليات والعناية المركزة، مما يهدد بانهيار المنظومة الصحية كاملة في حال تأخر إمدادات الوقود.
وعود متبخرة وغليان شعبي تحت الرماد
رغم سيل البيانات الرسمية والوعود الحكومية المتكررة بإدخال شحنات وقود إسعافية أو صيانة المحطات المتهالكة، إلا أن هذه التطمينات تبخرت أمام واقع الشبكة المهترئة وغياب الحلول الجذرية المستدامة. ويرى مراقبون أن الفجوة الشاسعة بين الوعود والواقع عززت حالة من الإحباط المطلق والاحتقان في الأوساط الشعبية.
وتتصاعد حالياً الدعوات في الشارع العدني والمنصات الرقمية بضرورة تدخل عاجل وفوري من مجلس القيادة الرئاسي والحكومة، لإنقاذ المدينة من هذه المعاناة اللاإنسانية، وسط تحذيرات من أن يتحول هذا الغليان الصامت إلى احتجاجات شعبية عارمة لا يمكن السيطرة عليها، في مدينة باتت تختنق بحرّ الصيف وصمت المسؤولين.