أخبار محلية

إلى متى تبقى الحكومات اليمنية رهينة المساعدات؟

المنتصف نت- المنتصف نت 20/06/2026 21:44 278 مشاهدة
إلى متى تبقى الحكومات اليمنية رهينة المساعدات؟

أعلنت المملكة العربية السعودية، بتوجيهات من قيادتها، صرف دفعة جديدة عبر البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن لدعم عجز موازنة الحكومة اليمنية، بقيمة تتجاوز 224 مليون ريال سعودي، لمواجهة العجز في الميزانية و المساهمة في تغطية رواتب موظفي الدولة وتعزيز انتظام التدفقات المالية، إضافة إلى دعم استقرار العملة والخدمات الأساسية.

ومن هذا المنطلق، تتجدد أهمية الدعم الخارجي كعامل إسناد ظرفي في لحظة انهيار معقدة لكن وكما جرت العادة، استُقبل الخبر بارتياح واسع في الأوساط الاقتصادية والشعبية، لأن أي دعم يخفف من معاناة اليمنيين ويحد من انهيار العملة يمثل متنفساً ضرورياً في ظل الظروف الصعبة. ويستحق الأشقاء في المملكة العربية السعودية، كما في دولة الإمارات العربية المتحدة، الشكر والتقدير على ما قدموه طوال السنوات الماضية من دعم سياسي واقتصادي وإنساني سخي لليمن وشعبه.

وفي المقابل، يبقى هذا الارتياح مشوباً بقلقٍ عميق من استمرار الدوران في الحلقة ذاتها دون حلول جذرية وذهاب الدفعة المالية الجديدة للثقب الاسود كاسابقاتها.

ولكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم أكثر من أي وقت مضى: إلى متى ستظل الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً ومجلس القيادة الرئاسي يعتمدان على المساعدات الخارجية لسد العجز ودفع الرواتب؟

وهنا تتكشف جوهر الأزمة التي تتجاوز اللحظة إلى بنية الدولة نفسها فبعد أكثر من اثني عشر عاماً من الأزمات والحروب والدعم المتواصل، لا يزال اليمن يقف أمام المشهد ذاته: عجز مالي مزمن، تراجع في قيمة العملة، ضعف في الإيرادات، واعتماد شبه كامل على المنح والودائع الخارجية. والمفارقة أن اليمن ليس بلداً فقيراً بالموارد، بل يمتلك ثروات طبيعية ومعدنية وبحرية وموقعاً استراتيجياً يجعل إمكاناته الاقتصادية، إذا أُحسن استثمارها، من بين الأكبر في المنطقة. وتبدو المفارقة أكثر إيلاماً حين تقاس الإمكانات بحجم الواقع المتعثر.  

المشكلة الحقيقية لم تعد نقص الموارد بقدر ما هي ضعف إدارة الدولة وغياب الرؤية الاقتصادية الشاملة. فالدول لا تُبنى بالمساعدات وحدها، بل بالمؤسسات الفاعلة، والإدارة الكفؤة، وتنمية الموارد المحلية، وفرض الرقابة على الإيرادات، ومحاربة الفساد والهدر، وتفعيل القطاعات الإنتاجية المعطلة، يصبح الخلل إداريًا بامتياز قبل أن يكون اقتصادياً. 

خلال السنوات الماضية، حصلت الحكومات المتعاقبة على دعم مالي كبير ومنح وودائع ومساعدات خارحية بمليارات الدولارات ومن حق اليمنيين اليوم أن يتساءلوا: أين ذهبت نتائج تلك المساعدات؟ وما الذي تحقق على مستوى بناء مؤسسات الدولة وتعزيز الإيرادات وتحقيق الاكتفاء المالي النسبي؟ ولماذا لا تزال الحكومة عاجزة عن دفع رواتب الموظفين أو الحفاظ على استقرار العملة دون تدخل خارجي؟

وكل هذه الأسئلة تعكس فجوة ثقة تتسع بين المواطن والدولة.

الأخطر من ذلك أن استعادة الدولة تحولت لدى كثير من المسؤولين إلى شعار يتكرر في البيانات والخطابات ووسائل الإعلام، بينما تغيب المؤشرات العملية التي تؤكد وجود مشروع جاد لاستعادة مؤسسات الدولة وبناء اقتصاد قادر على تمويل نفسه. فلا يمكن الحديث عن استعادة الدولة في ظل إدارة اقتصادية عاجزة عن استثمار الموارد المتاحة أو تقديم نموذج ناجح في المحافظات المحررة. وبالتالي تتعمق الإشكالية بين الشعار والممارسة.

 الدعم السعودي الجديد مهم وضروري في هذه المرحلة، لكنه في الوقت نفسه يسلط الضوء على أزمة أعمق تتعلق بأداء الحكومة نفسها فالمساعدات يجب أن تكون جسراً نحو التعافي، لا بديلاً دائماً عن الإصلاح. كما أن استمرار الاعتماد عليها دون معالجة أسباب العجز يهدد بتحويل الأزمة الاقتصادية إلى حالة مزمنة لا نهاية لها.

اليمن ،اليوم، لا يحتاج فقط إلى دفعة مالية جديدة، بل إلى مراجعة شاملة لأسلوب إدارة الدولة والاقتصاد، وإلى قيادة تضع تنمية الموارد واستعادة المؤسسات في مقدمة أولوياتها. فالثروات موجودة، والفرص متاحة، والدعم الإقليمي لم يتوقف، لكن ما ينقص هو الإدارة الفاعلة والإرادة السياسية القادرة على تحويل الإمكانات إلى واقع.

وهكذا تتحدد معركة اليمن الحقيقية: بين الإمكانات المعطلة والإرادة الغائبة.

ويبقى السؤال الذي يطرحه اليمنيون مع كل منحة جديدة وكل وديعة جديدة: متى يأتي اليوم الذي تصبح فيه الدولة قادرة على دفع رواتب موظفيها من مواردها، لا من مساعدات أشقائها؟

أزمة بلادنا تتلخص في أزمة إدارة وطن بأكمله يقف على مفترق طرق، فإما أن يتحول الدعم إلى جسر عبور نحو دولةٍ تستعيد عافيتها، أو يظلّ مجرد مسكّنٍ طويل الأمد لجرحٍ لا يلتئم. وبين هذا وذاك، يبقى اليمن معلقًا على أملٍ أن تولد الدولة من رحم الموارد وليس من جيوب المانحين، وأن ينكسر أخيرًا زمن الانتظار المر الثقيل.