في الوقت الذي تشهد فيه العاصمة المؤقتة عدن حراكاً اقتصادياً وإصلاحات هيكلية ملموسة، كان آخرها اعتماد زيادة بنسبة 20% في مرتبات موظفي الدولة واعتماد صرف العلاوات السنوية للموظفين عن الأعوام من 2021م حتى 2025م، يعيش الموظفون والمواطنون في المناطق الخاضعة لسيطرة مليشيا الحوثي في خضم مأساة إنسانية ومعيشية متفاقمة.
المقارنة هنا لم تعد مجرد قراءة في أرقام الموازنات أو الخطط الحكومية، بل أصبحت واقعاً، إذ يقابل جهود الحكومة في الحوكمة، ومكافحة الفساد، وتفعيل الأجهزة الرقابية، نهبٌ حوثيٌ منظم للإيرادات، وتدميرٌ ممنهج للمؤسسات، ومصادرةٌ لقمة عيش ملايين المواطنين.
إصلاحات حكومية
خلال الأشهر الماضية، اتخذت الحكومة اليمنية برئاسة الدكتور شائع الزنداني سلسلة من القرارات والإجراءات الاقتصادية والإدارية، شملت رفع رواتب موظفي الدولة بنسبة 20%، والاستمرار في صرف الرواتب بصورة منتظمة حتى شهر ابريل الماضي إلى جانب تنفيذ إصلاحات في مؤسسات الضرائب والجمارك، وإعادة هيكلة عدد من المؤسسات الإيرادية، وتفعيل أدوات الحوكمة والرقابة، وإطلاق إجراءات تستهدف تحسين كفاءة الإنفاق العام وتعزيز الشفافية.
يرى مراقبون أن هذه الخطوات تمثل بداية لمسار إصلاحي يهدف إلى استعادة قدرة مؤسسات الدولة على أداء وظائفها، رغم التحديات الاقتصادية والمالية الكبيرة التي تواجهها البلاد.
وتؤكد الحكومة أن أولويتها الحالية تتمثل في الإصلاح الاقتصادي، وتعزيز الحوكمة، وتحسين الإيرادات، ومكافحة الفساد، واستعادة دور مؤسسات الدولة.
أثر زيادة الرواتب
يقول اقتصاديون إن قرار الحكومة اعتماد زيادة بنسبة 20% في الرواتب، إلى جانب صرف العلاوات السنوية المتراكمة، يمثل خطوة لتخفيف جزء من الضغوط المعيشية التي فرضتها الأوضاع الاقتصادية وارتفاع الأسعار، كما يعكس توجهاً حكومياً لربط الإصلاحات المالية بتحسين أوضاع الموظفين، بدلاً من الاكتفاء بإجراءات إدارية أو مالية لا تنعكس على حياة المواطنين.
ويرى هؤلاء أن انتظام صرف الرواتب، حتى وإن ظل يواجه تحديات مرتبطة بالإيرادات والظروف الاقتصادية، يمنح الموظف قدراً من الاستقرار، ويسهم في تنشيط الحركة الاقتصادية والأسواق المحلية، باعتبار الرواتب أحد أهم مصادر السيولة في المحافظات المحررة.
وتؤكد الحكومة أن القرارات الأخيرة الخاصة بالرواتب والعلاوات تأتي ضمن حزمة إصلاحات أوسع تستهدف إعادة بناء المؤسسات المالية والإيرادية، وتعزيز كفاءة التحصيل، وترشيد الإنفاق، وتوسيع قاعدة الشفافية والمساءلة، بما يسهم في تحسين قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها تجاه المواطنين.
ويرى مختصون أن نجاح هذه الإصلاحات سيعتمد على استمرارها وعدم الاكتفاء بالإجراءات الآنية، إضافة إلى مواصلة مكافحة الفساد، وتعزيز الموارد العامة، وتحفيز النشاط الاقتصادي والاستثماري، بما يخلق مصادر دخل مستدامة للدولة.
الحوثي.. تجويع وحرمان
وفي المقابل، يؤكد مراقبون أن المناطق الخاضعة لسيطرة المليشيا الحوثية تمتلك موارد مالية كبيرة من الضرائب والجمارك والاتصالات والمشتقات النفطية والزكاة والجبايات المختلفة، إلا أن استمرار توقف رواتب الموظفين يثير تساؤلات واسعة حول أولويات إدارة تلك الموارد.
ويشير هؤلاء إلى أن المواطنين في تلك المناطق ان المليشيا الحوثية تعبث بالايرادات وتنفقها على قياداتها وفعالياتها الطائفية ما ادى إلى تردي الخدمات والبنية التحتية في مختلف القطاعات بما فيها الصحية والتعليمية، في الوقت الذي تتوسع فيه الجبايات والرسوم المفروضة على الأنشطة التجارية والمواطنين، ما يزيد من الأعباء المعيشية ويعمق الأزمة الإنسانية.
ويرى مواطنون في مناطق سيطرة المليشيا الحوثية أن أولويتهم تتمثل في استعادة حقهم في الراتب والخدمات الأساسية وإنهاء سنوات الحرمان التي أثقلت كاهل ملايين الأسر.
وبينما تمضي الحكومة في تنفيذ إصلاحات اقتصادية وإدارية رغم محدودية الموارد والظروف الاستثنائية التي فرضتها الحرب، لا يزال ملايين الموظفين في مناطق سيطرة الحوثيين ينتظرون استعادة أبسط حقوقهم، وفي مقدمتها صرف الرواتب المنقطعة منذ العام 2018م.